ابن سبعين
199
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
النوع السادس : طي الأرض لهم من غير حركة منهم : من ذلك ما روي أن بعضهم كان في جامع « طرسوس » فاشتاق إلى زيارة الحرم ، فأدخل رأسه في جيبه ثم أخرجه وهو في الحرم . وكذلك اجتمع جماعة في بعض البلدان البعيدة في يوم عرفة ، فاغتسلوا ، وصلّوا ، وأحرموا ، ثم سجدوا ، ومكثوا فيها ما شاء اللّه تعالى ، ثم رفعوا رؤوسهم وإذا هم ينظرون الجمال سائرة من منى إلى عرفات . وعن الشيخ سهل بن عبد اللّه التستري قال : توضأت في يوم الجمعة ، فمضيت إلى الجامع في أيام البداية ، فوجدته قد امتلأ بالناس وهمّ الخطيب أنا يرقى المنبر ، فأسأت الأدب ، ولم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول ، فجلست وإذا عن يميني شابّ حسن المظهر طيب الرائحة عليه أطمار الصوف ، فلمّا نظر إليّ قال : كيف تجدك يا سهل ؟ فقلت : بخير أصلحك اللّه ، وبقيت متفكّرا في معرفته ، وأنا لم أعرفه ، فبينما أنا كذلك إذ أخذني حذقان بول فأكربني ، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس ، وإن جلست لم يكن لي صلاة ، فالتفت إليّ وقال : يا سهل أخذك حذقان بول . فقلت : أجل . فنزع إحرامه من منكبه ، فغشاني به ، ثم قال : اقض حاجتك وأسرع تلحق الصلاة . قال : فأغمي عليّ ، وفتحت عيني فإذا بباب مفتوح ، فسمعت قائلا يقول : لج الباب يرحمك اللّه . فولجت ، وإذا أنا بقصر مشيّد عالي البنيان ، وإذا بنخلة قائمة ، وإذا بجنبها مطهرة مملوءة ماء أحلى من الشهد ، ومنزل لإراقة الماء ، ومنشفة معلقة وسواك ، فحللت لباسي ، وأرقت الماء ثم اغتسلت ، وتنشفت بالمنشفة ، فسمعته يناديني ، ويقول : إن كنت قضيت إربك فقل : نعم . فقلت : نعم . فنزع الإحرام عني ، وإذا أنا جالس بمكاني ، ولم يشعر بي أحد ، فبقيت متفكّرا في نفسي وأنا أكذّب نفسي فيما جرى ، فقامت الصلاة فصلّى الناس وصليت معهم ولم يكن لي شغل إلا الفتى لا أعرفه . فلمّا فرغ تبعت أثره فإذا به قد دخل إلى درب ، فالتفت إليّ ، وقال : يا سهل ، كأنّك ما أيقنت بما رأيت .