ابن سبعين
192
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] ، فقد قال الإمام ناصر الدين البيضاوي ، واستدلّ به على إبطال الكرامات ، وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير وسط ، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقّيا عن الملائكة كاطّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء عليهم السلام : يعني أن اللّه سبحانه وتعالى يظهر الغيب على الملك ، والملك على الأنبياء وعلى الأولياء . قال الإمام مظهر الدين : وقد تستفيد الأولياء من أرواح الأنبياء ، وأما أصحاب الأنبياء من ألسنتهم فظاهر انتهى . وسئل الإمام اليافعي هل يكفر من قال : المؤمن يعلم الغيب أم لا ؟ فقال : أقول وباللّه التوفيق لا يستعجل بتكفير من قال المؤمن يعلم الغيب حتى يسأل ما ذا أراد بالمؤمن وبالعلم وبالغيب ؟ فإن أراد بالمؤمن المؤمن الخاص وهو الولي دون المؤمن العام وهو كل مؤمن وبالعلم بأنه يعلم بإعلام اللّه تعالى له لا يعلمه بنفسه استقلالا وبالغيب بعض الغيوب لا جميعها فإنه لا يكفر بذلك ؛ لأنه جائز في كرامات الأولياء بل واقع . [ الأدلة على علم المؤمن بالغيب ] وقد دلّ على جوازه العقل ، وشهد بوقوعه النقل . أمّا العقل : فلأن ذلك ليس بمستحيل في قدرة اللّه تعالى ؛ بل هو من قبيل الممكنات ولا قادح في معجزات الأنبياء ، وقدّمنا أنه لا فرق بين الكرامات والمعجزات إلا دعوة النبوة . وأمّا النقل : فهو خارج عن الحصر ؛ إذ لا يمكن تعداد ما نقل عن الأولياء من الكشف في كل عصر ومهر ، ولو أمكن جمع ما وقع لهم من المكاشفات في جميع الأشياء في كل زمان ومكان لاحتيج في ذلك إلى كتب يطول عدّها ، ويتعذّر حصرها ، فكيف يحصر المكتوب فيها ؟ فليس يمكن جميع ذلك ، ولا يقدر أحد يحصيه إلا اللّه تعالى . ويكفي من ذلك ما أخبر اللّه عزّ وجلّ عن الخضر عليه السّلام مع موسى عليه السّلام مع كون الخضر وليّا لا نبيّا عند جمهور العلماء ، وعند جميع العارفين باللّه تعالى ، وكذلك ما قدّمناه عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فيما كشف له من حال الحمل في بطن امرأته ، وما كشف لعمر رضي اللّه عنه من حال سارية ومن معه من المسلمين ، وحال العدو وما أخبر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من كونه من المحدّثين .