ابن سبعين
190
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
روى القشيري رحمه اللّه تعالى في رسالته عن بعضهم قال : كنّا في مركب فمات رجل عليل كان معنا ، فأخذنا في جهازه ، وأردنا أن نلقيه في البحر ، وسار البحر جافّا ، ونزلت السفينة فخرجنا ، وحفرنا له قبرا ، ودفنّاه ، فلمّا استوى الماء وارتفع المركب سرنا . النوع الرابع : انقلاب الأعيان : اعلم أن هذا النوع مما كثر وقوعه لهم واشتهر عنهم ، كانقلاب الحصى جواهر وذهبا لكثير منهم ، وانقلاب ماء البحر عذبا ، ولبعضهم سمنا ، ولبعضهم مع الرمل سويقا وسكرا ، ولبعضهم الحطب ذهبا ، وغير ذلك مما يتعذّر حصره ، وهذه الأشياء مشهورة مذكورة في الكتب المشتملة على بعض كرامات الأولياء كالرسالة وغيرها ، وأعجب من ذلك انقلاب الخمر سمنا ، كما روي عن الشيخ عيسى المعروف بالهتّار اليمني : أنه مرّ على امرأة بغيّ ، فقال لها : بعد العشاء آتيك ، ففرحت بذلك ، وتزيّنت ، فلمّا كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلّى ركعتين ثم خرج . فقالت : أراك خرجت . فقال : المقصود حصل ، فورد عليها واردا أزعجها عمّا كانت عليه ، وخرجت بعد الشيخ وتابت على يديه ، فزوّجها من بعض الفقراء . وقال : اعملوا الوليمة عصيدة ، ولا تشتروا لها أداما ، ففعلوا ذلك ، وأحضروه ، وحضر الفقراء والشيخ معهم كالمنتظر لشيء يؤتى به ، فوصل الخبر إلى أمير تلك البلدة ، فأخرج قارورتين مملوءتين خمرا ، وأرسل بهما إلى الشيخ ، وأراد أن يستهزئ بالفقراء ويفضحهم ، وقال للرسول : قل للشيخ : قد سرّني ما سمعت ، وبلغني أنه ما عندكم أدام فخذوا هذا فادموا به ، فلمّا أقبل الرسول قال له الشيخ : أبطأت ، ثم تناول إحداهما فخاضها ، ثم صبّها ، ثم كذلك الأخرى ، ثم قال للرسول : اجلس فكل ، فأكل فطعم سمنا لم ير مثله طعما ، وريحا ، ولونا ، ورجع وأخبر الأمير بذلك ، فجاء الأمير فأكل ، وتحيّر مما رأى ، فتاب أيضا على يد الشيخ ، والحمد للّه الذي جعل هؤلاء السادة سببا للسعادة . وأعظم من ذلك ما رواه اليافعي في نشر المحاسن عن جماعة من الصالحين . روي عن بعض الأولياء أنه طلب بعض الناس يدعو له إلى اللّه تعالى أن يرزقه ولدا ذكرا ، فقال له : إن أحببت ذلك فسلّم للفقراء مائة دينار . فسلّم إليه ذلك ، ثم جاءه بعد ذلك بمدة ، وقال له : يا سيدي ، وعدتني بولد ذكر وما وضعت امرأتي إلا أنثى .