ابن سبعين

181

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

والوسط : ما بين طرفي الشيء المالئ لكليته ، وكانوا وسطا بما شهدوا من أمر اللّه مما بين الأزل والأبد ، فكانوا بذلك شهداء على خلق اللّه ، وكان هو صلّى اللّه عليه وسلّم شهيدا على هؤلاء الشهداء كما كان نبيّا للأنبياء ؛ ليكون في الرتبة الثالثة علوّا من كل بداية ، فيكون له أحمديّة الحمد الذي هو عليّ على المدح . قال تعالى : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] . ومن الناس من لم يستخلصه الإيمان بالكلية ، وبقي له توقين إلى عاجلة الدنيا حبّ شرفها وحبّ مالها كما هو حال الملوك وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم ، الذين حظهم منه التذكرة لأجل ذلك الحب للعاجلة كما قال تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ يونس : 2 ] . فأمته الحمّادون للّه على كل حال ، الذين لا يلعنون شيئا ولا يبرءون من خلق ، بما شهدوا من حمد ربهم هم الشهداء كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّعّانون لا يكونوا شهداء ولا شفعاء يوم القيامة « 1 » » . فالانتهاء في الافتراق إلى اللعن جرحة هذه الشهادة المحمديّة ؛ لأنهم منه بما قيل له هو صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لم يبعثك سبّابا ولا لعّانا ، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا « 2 » » . ولذلك يقول ناطق العلم : إنه لا ينبغي لأهل النقل والرواية أن يقولوا : لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كذا في نقلهم بعد هذا التقرير ، ولكن يكون لفظ النقل أن يقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لعن رسول اللّه كذا ، ليقع الفرق بين أن يكون في اللعنة ناقلا أو منشئا ؛ لأن اللّه عزّ وجلّ أسند اللعن في كتابه لما صرح به في قوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ البقرة : 161 ] فكالذين انتظم في أنهم يلعنون ، هم الذين يشهد عليهم ، وهم الناس لا الذين يشهدون

--> ( 1 ) رواه إسحاق بن راهواه في مسنده ( 1 / 264 ) . ( 2 ) رواه أبو داود في المراسيل ( 1 / 118 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 126 ) .