ابن سبعين
18
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
واعلم يا أخي أن الخطأ في ترك ألف كافر أهون عند اللّه من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لأن يخطئ الإمام في العفو أحب إلى اللّه من أن يخطئ في العقوبة « 1 » » . وفي الأثر : « إن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام لما سأله أن يا بني بيت المقدس أنه لا يا بني بيتي من سفك الدماء ، فقال داود عليه السّلام : يا ربّ ؛ ألم يكن ذلك في الجهاد في سبيلك ؟ ! قال : بلى ، أليسوا بعبادي ؟ ! فقال : يا ربّ ، اجعل بناء ذلك على يد ولدي سليمان ؟ قال : نعم » . ثم إن تلك المسائل التي يحكم فيها بالتكفير لهؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض ؛ لكثرة شعبها واختلاف قرائنها ، وتفاوت دواعيها ، والاستقصاء في معرفة الخطاب من سائر صنوف وجوهه ، والاطّلاع على حقيقة التأويل وشرائطه في الأماكن ، ومعرفة الألفاظ المحتملة التأويل وغير المحتملة ، وذلك يستعدي معرفة طرق اللسان من سائر قبائل العرب في حقائقها ومجازاتها ، واستعاراتها ، ومعرفة دقائق التوحيد ، وعوارضه إلى غير ذلك مما هو متعذر جدّا . وكثيرا ما يتكلّم العارفون باللّه تعالى حين تهب على قلوبهم النفحات الإلهية بالكلام الذي لا يفهم العاقل منهم إلا الخطأ والتناقض ، فلا يقبله عقله ، وكان الأولى له التسليم ؛ لأن العلم الخاص بدائرة الولاية يباين العلم الذي عند العقلاء من العلماء ، فالأولياء يقرءون علم العلماء ؛ لمرورهم على معناه حال السلوك والترقي عنه ، والعلماء بالعكس ؛ وذلك لأن طريق القوم مبنيّ على ما يقرب من طريق المعتزلة والجبرية في بعض الحالات ، وهي حالة شهود غيبة الصفات في شهود وحدة جمال الذات ، حتى كأن لا صفات . فعلم مما قررناه : إنه ليس فوق علم العارفين باللّه علم إلا علم اللّه عزّ وجلّ ؛ فافهم .
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 33 ) ، ومالك في الموطأ ( 3 / 76 ) ، والدارقطني في السنن ( 4 / 84 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 5 / 512 ) .