ابن سبعين

169

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

الجامعة في طينته المخصوصة صلّى اللّه عليه وسلّم ، فظهر في هذا الوجود مرتين مرة بطريق التفصيل في أطوار رقائق الأنبياء والمرسلين قبله ، ومرة بطريق الإجمال . ومعلوم أن الإجمال بعد التفصيل ، ولهذا ختمت به النبوة ، فلا نبي بعده لتمام التفصيل بإجماله صلّى اللّه عليه وسلّم ، انتهى منه بلفظه . وقلت : فهو صلّى اللّه عليه وسلّم النسخة الصغرى وهي العبد الكامل الذي كان مظهرا لكل اسم إلهيّ من غير أن يغلب عليه اسم من الأسماء ، ويسمّى من وجه بالخليفة والنائب ، وهو الرداء على الحق ، وقد يستهلك بالحق بحيث لا يظهر له وجود عين أصلا ، فيكون حقّا كله والانفعالات تقع منه من غير أن تنسب إلى شيء من وجوده . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « واجعلني نورا « 1 » » : أي حقّا يظهر في كل شيء ولا أظهر بشيء ، وقد يستهلك الحق به ، فكل شيء ينسب لوجوده ، ويكون هو المرتدي والحق رداءه ، فالمرتدي هو المستهلك فيه ، فإذا كان العبد رداء كان هو الظاهر والحق باطن ، وإذا كان الحق رداء فالأمر بالعكس . وقد أشار حضرة الشيخ الأكبر إلى هذا في المسائل الترمذية بقوله : أنا البرداء ، أنا السر الذي ظهرت في ظلمة الكون ؛ إذ صيرتها نورا ، فهذا الخليفة مع صغر حجمه جمع مظهره وعينه كل مظهر ، وعين من العلوي والسفلي ، فما من شيء إلا وهو تفصيله وجزء منه ، بمعنى أن فيه أنموذج كل شيء كما سيذكر ، إلا أن الأشياء أجزاؤه حقيقة كما يتوهم ، بل هو مبدأ الآثار في كل شيء . وتمام هذه النسخة المظهر المحمدي الأتم ، وكون غيره من الكمّل متحققا بهذه النسخة ، باعتبار أنه مظهر من مظاهره صلّى اللّه عليه وسلّم التي تفرّعت عنها النسخة الكبرى ، أعني هذا العالم الكبير الهضل ، فإنه بأجمعه تفصيل مظهره صلّى اللّه عليه وسلّم في كل مرتبة . أما في الأعيان والصور فلما قدمناه من أنه أول تعين للحق تعالى ، مشتمل ومنطو على

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 528 ) ، وأحمد ( 1 / 284 ) .