ابن سبعين
155
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
هناك بالفناء المحض ، والطمس الكلي للرسوم كلها تنبيه في تفسير الآية ، ثم دنا : أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه تعالى وترقى عن مقام جبريل بالفناء في الوحدة ، والترقي عن مقام الروح . وفي هذا المقام قال جبريل عليه السّلام : « لو دنوت أنملة لاحترقت « 1 » » إذ وراء مقامه ليس إلا الفناء في الذات ، والاحتراق بسبحات الجمال لا سبحات الجلال ؛ لأن سبحات الجلال هي أنوار تجليات الصفات ، وسبحات الجمال هي أنوار تجليات الذات ، والاحتراق بالجمال ، فتدلى : أي مال إلى الجهة الإنسيّة بالرجوع من الحق إلى الخلق حال البقاء بعد الفناء ، والوجوب الموهب الحقاني ، فكان قاب قوسين : أي كان صلّى اللّه عليه وسلّم مقدار دائرة الوجود الشاملة للكل المنقسمة بخط موهوم إلى قوسين ، باعتبار الحق والخلق ، والاعتبار هو الخط الموهوم القاسم للدائرة إلى نصفين ، فباعتبار البداية والتداني يكون الخلق هو القوس الأول الحاجب للهوية في أعيان المخلوقات وصورها ، والحق تعالى هو النصف الأخير ، وباعتبار النهاية والتدلي ، فالحق هو القوس الأول الثابت على حاله أزلا وأبدا ، والخلق هو القوس الأخير الذي يحدث بعد الفناء بالوجود الجديد الذي وهب له . وهذا ما دامت الاثنينية أو أدنى من مقدار القوسين بارتفاع الاثنينية الفاصلة الموهومة لاتصال أحد القوسين بالآخر ، وتحقق الوحدة الحقيقة في عين الكثرة بحيث تضمحل الكثرة فيها وتبقى الدائرة غير منقسمة بالحقيقة ، وهذا نهاية الولاية . فما أكمل نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما أسعدنا به صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلله الحمد والمنّة على هذا النبي الكريم الذي شرف الأكوان صلّى اللّه عليه وسلّم . لائحة سدرة المنتهى شهود الخلائق الكونية ، وقاب قوسين شهود : ( الرقائق الأسمائية ) أو أدنى شهود الذات ، ورؤيتها شهود لا أكمل منه . النور التاسع وهو نور التركيب : فهو الذي انكشف له به عن الغاية العظمى في التوحيد ، فإنه كان إذا فكّر في
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 5 / 55 ) .