ابن سبعين
114
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
وفي المواهب اللدنية من خصائصه عليه السّلام أنه كان يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه ، قال شارحها : فقد كان يخطب فتسمعه الهواتف في البيوت ، ويسمع أطيط كما السماء مر بسط ذلك في شمائله انتهى . وانظر إلى ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن عائشة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جلس يوم الجمعة على المنبر ، فقال للناس : اجلسوا ، فسمعه عبد اللّه بن رواحة ، وهو في بني علم ، فجلس في مكانه وفيه معجزة وكرامة ، وكأنه فهم أن الخطاب عام في حق من بلغه الصوت ، ولو كان خارجا عن المسجد النبوي ، ولو بعيدا منه ، ولذلك جلس امتثالا وأدبا ، وكأن القرينة على ذلك بلوغ الصوت له بطريق المعجزة الخارقة للعادة ، وإن لم يظهر لجلوسه هو في مكانه فائدة ، فقد تكون موجودة ولا يطلع عليها ؛ إذ قد تخفى في بعض الأوامر والنواهي ، ولذلك يحكم الفقهاء على ما خفيت فيه بأنه تعبدي ، واللّه أعلم . وانظر أيضا إلى ما ورد من قول سيدنا عمر بن الخطاب أثناء خطبته يوم جمعة لسارية ابن زنيم الدؤلي ، وكان قد أمره على جيش وسيره إلى فارس ، وذلك سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ، فرآهم من المدينة وهو يخطب ، وقد جعل العدو عليهم كمينا على يسار الجبل : يا سارية الجبل ، الجبل ، يعني خذ طريق الجبل واحذر كمين العدو ، ورفع صوته فألقى اللّه ذلك في أسماع سارية وأصحابه ، وكانوا بنهاوند بلد بأقصى العراق جنوبي همدان ، بينها وبين المدينة أكثر من مسيرة شهر ، فعدلوا إلى الجبل ، ففتح اللّه عليهم وهي قضية مشهورة ، أخرجها الواقدي وسيف في الفتوح ، والبيهقي في الدلائل ، واللالكائي في شرح السّنة ، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء ، وابن مردويه ، وغيرهم . راجع الإصابة في ترجمة سارية المذكور . وفي لطائف المنن : إن القطب الحلبي الحافظ أفرد لطرقها جزءا . قال بعضهم : وكان هذا في حياة سارية ، فلما مات في مصر دفن أيضا في قلعة الجبل ، فكأنه امتثل قول عمر بعد وفاته أيضا . راجع الرحلة الكبرى لسيدي عبد الغني النابلسي .