ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي
55
الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة
« إن اللّه غير معذّبك ولا ولدك » « 1 » . واستدل بهذه الآية الكريمة الشيعة الإمامية على عصمة أئمّة أهل البيت - رضي اللّه تعالى عنهم - من المعاصي ، « 2 » ، وهو خطأ فاحش فإن الآية الكريمة جاءت في نساء النبي « 3 » وأهل الكساء الأربعة ، فأين الدليل بعموم العصمة ؟ « 4 »
--> ( 1 ) . المعجم الكبير 11 : 210 رقم 11685 ، مجمع الزوائد 9 : 326 وقال : « رواه الطبراني ورجاله ثقات » ، سبل الهدى 11 : 5 ، كنز العمال 12 : 110 رقم 34236 ، نور الأبصار : 52 وقال : « أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات » . والحديث مطلق ، وفي بعض النسخ بزيادة « يعني الحسن والحسين » والتفسير ب « يعني » من راوي الحديث ابن كريب ، نص على ذلك الصالحي الشامي في سبل الهدى 11 : 5 . ( 2 ) . والأدلّة على عصمة الأئمّة من أهل البيت عند الشيعة الإمامية ، هي هذه الآية وآيات أخر من القرآن الكريم ، والروايات الواردة من طرق الفريقين ، مضافا للأدلّة العقلية على لزوم عصمة الأئمة بعد النبي صلّى اللّه عليه واله ، وكلّها مذكورة في كتبهم المطبوعة والمنتشرة في كل مكان . ( 3 ) . لكنّه قبل قليل نفى نساء النبي من الآية بالانصراف ، وفي أول البحث نفاهن ، بكون لفظ الآل والأهل علما على أصحاب الكساء فقط . ( 4 ) . وممّا يجدر ذكره أن مبحث الإمامة والعصمة من أهم وأكثر البحوث التي بحثها علماء الشيعة الإمامية ، ولهم فيها كتب ورسائل كثيرة ، أثبتوا فيها وجوب الإمامة ، ووجوب عصمة الإمام ، بالأدلّة العقلية والنقلية من الكتاب والسنّة الواردة من طرق الفريقين . ونجد من الضروري هنا التعرّض بما يناسب المقام هنا ، فنقول : إن دلالة الآية على عصمة أصحاب الكساء ممّا لا تنكر ، وهو مقتضى إرادة التطهير وإذهاب الرجس ، وقد اعترف الكثير من علماء السنّة بدلالتها على عصمتهم عليهم السّلام : قال القاسمي في تفسيره ( محاسن التأويل 7 : 658 ) : « فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب الرجس ، لكن دعاء النبي صلّى اللّه عليه واله بذلك يدل على وقوعه ، فإنّه دعاء مستجاب » وقال في الصفحة 659 : « ولفظ الرجس عام يقتضي أن اللّه يذهب جميع الرجس ، فإن النبي صلّى اللّه عليه واله دعا بذلك » . وواضح أنّه يسلّم دلالة الآية على إذهاب الرجس ، لكنّه يترقّى في الاستدلال ، فحتّى لو شكّك - - أحد بدلالة الآية ، فإن دعاء النبي صلّى اللّه عليه واله مستجاب ، وقد دعا صلّى اللّه عليه واله بإذهاب الرجس عنهم ، فالقول بالعصمة في خصوص الخمسة عليهم السّلام ممّا لا ينكر . وأمّا القول في التعميم لأئمة أهل البيت عليهم السّلام : الدليل على عصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام الأول : آية التطهير بهذا التقريب : أنّه من المعلوم أن لكل رجل أهل بيت واحد ، وتقدّم أن أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه واله هم أصحاب الكساء الخمسة فقط ، دون غيرهم ، وقد دلّت الروايات على ذلك ، وتقدّم الكلام عنه في عدّة مواضع ، وهؤلاء هم من عناهم النبي صلّى اللّه عليه واله في دعائه عند نزول آية التطهير آخذا بأطراف الكساء : « اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا » وهم الذين أوصى بوجوب التمسّك بهم في حديث الثقلين بقوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا » فأهل بيته هم عترته الذين أوصى لهم وأوجب التمسّك بهم . وكذا في قوله : « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك » . وعلمنا أيضا أن خلفاءه وأوصياءه صلّى اللّه عليه واله اثنا عشر ، قال : « يكون بعدي اثنا عشر خليفة وكلّهم من قريش » ( صحيح مسلم 3 : 1452 ومسند أحمد 5 : 89 ، 92 ، 107 وصحيح ابن حبّان 15 : 43 ) ، ولا يعقل أن يوصي بالإمامة والخلافة لشخصين أو أشخاص على نحو الاستقلال والانفراد وفي آن واحد . وعليه ، فلا بدّ أن يكون الاثنا عشر خليفة هم أهل بيته وعترته الذين أوجب التمسّك بهم والرجوع إليهم ، فثبت أن الأئمة من أهل البيت اثنا عشر خليفة وهم عترته وأهل بيته ، وقد دلّت الآية على طهارة أهل البيت عليهم السّلام ، فثبت عموم العصمة لهم . ولا ينافيه توهّم الحصر في الآية بخصوص الخمسة أصحاب الكساء ، فإن الحصر نسبي ، بمعنى أن الآية دلّت على عصمة أهل البيت ، لكن لم يوجد منهم في ذلك الزمان إلّا هؤلاء الخمسة ، ومن هذا في اللغة كثير . وهذا التقريب والجمع بين الأحاديث يثبت عصمة الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام ، وأن عددهم اثنا عشر ، وهم خلفاء النبي صلّى اللّه عليه واله وأوصياؤه الذين وجب التمسّك بهم والرجوع إليهم في القول والعمل . وأمّا فاطمة عليها السّلام فلا شك في عصمتها لأنّها من أصحاب الكساء ، وممّن شملها دعاء النبي صلّى اللّه عليه واله ومن المعنيّين بالتطهير في الآية . * * * - - الثاني : وممّا دل على عموم العصمة لأهل البيت عليهم السّلام ، والنص عليهم ، الروايات : فعن الأصبغ عن ابن عباس قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول : « أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون « ( فرائد السمطين للجويني 2 : 313 ، وينابيع المودّة 2 : 361 ) وعن عباية بن ربعي مرفوعا : « أنا سيد النبيّين وعلي سيد الوصيّين ، إن أوصيائي بعدي اثنا عشر ، أولهم علي وآخرهم المهدي » ( فرائد السمطين 2 : 312 ) . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « أنا سيد المرسلين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيّين ، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر ، أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم » ( فرائد السمطين 2 : 313 ) . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « إن خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي لاثنا عشر ، أوّلهم أخي وآخرهم المهدي » ( فرائد السمطين 2 : 312 ) . وقد نصّت الأحاديث على عدد الأئمة من أهل البيت ، وأنّهم أوصياؤه وخلفاؤه ، وأنّهم معصومون مطهّرون ، وأن عددهم اثنا عشر ، كما رواه أهل السنّة ، ودلالة الأحاديث على العصمة تامّة لصريح أكثر الأحاديث ، وأمّا من طرق الشيعة الإمامية فالأحاديث كثيرة وواضحة الدلالة فراجع . * * * الثالث : قوله تعالى : قال إِنِّي جاعِلُك لِلنَّاس إِماماً قال ومِن ذُرِّيَّتِي قال لا يَنال عَهْدِي الظَّالِمِين ( البقرة : من الآية 124 ) دلّت على أن الإمامة من عهد اللّه تعالى ، واعتبار العصمة من اللّه حين الإمامة وقبلها ، لأن كل عصيان ظلم ، وكل عاص ظالم ، لقوله تعالى : ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّه فَأُولئِك هُم الظَّالِمُون ( البقرة : من الآية 229 ) ، فدلّت على عصمة الإمام . وقد فهم ذلك علماء أهل السنّة : قال السيوطي في ( الدرّ المنثور 1 : 288 ) : عن وكيع وعبد الحميد وابن جرير : المعنى : لا أجعل إماما ظالما يقتدى به . ومعناها : إنّه كائن لا ينال عهده من هو في رتبة ظالم ، ولا ينبغي أن يولّيه شيئا من أمره . * * * - الرابع : قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُول وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم ( النساء : من الآية 59 ) فإنّه أوجب طاعة أولي الأمر على الإطلاق ، كطاعته وطاعة رسوله ، وهذا لا يتم إلّا بعصمة أولي الأمر لأن غير المعصوم قد يأمر بمعصية ، وتحرم طاعته فيها ، فلو وجبت طاعته اجتمع الضدّان : وجوب طاعته وحرمتها ، وقد أقرّ الرازي بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر بهذه الآية ، وتقدّمت دلالة الأحاديث على أن الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام هم أوصياؤه وهم حجج اللّه على الخلق ، ومن أمر العباد بطاعتهم والتمسّك بهم ، فهم أولي الأمر ، فتجب عصمتهم . * * * الخامس : أن الإمام لو صدرت منه المعصية ، لسقط محلّه من القلوب ، فلا تنقاد لطاعته ، فتنتفي فائدة نصبه . * * * السادس : أن الإمام لطف يمنع التعدّي ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرّمات ، ويقيم الحدود والفرائض ، فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه ، انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر ، فيلزم التسلسل . * * * السابع : أن الإمام حافظ للشرع بعد النبي صلّى اللّه عليه واله فتجب عصمته لذلك ، إذ لا يقدر على حفظ الشرع بتمامه إلّا معصوم . هذه بعض الأدلّة العقلية والنقلية على عموم العصمة ، ومن أراد المزيد فليراجع كتب العقائد وبحوث الإمامة والعصمة في المطوّلات .