ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

43

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

والأشراف ، والسادات ، والذريّة الطاهرة ، والعترة الطاهرة ، رضي اللّه تعالى عنهم وعنّا معهم ، آمين . الوصية بأهل البيت عن زيد بن أرقم رضى اللّه عنه قال : قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يوما فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثم قال : « أمّا بعد ، ألا أيها الناس ، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتني رسول ربي عزّ وجل فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين : أولهما : كتاب اللّه عزّ وجل ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به » فحث على كتاب اللّه ورغّب فيه ثم قال : « وأهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أذكّركم اللّه في أهل بيتي » . فقال له حصين - أحد الرواة - : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده ، قال : ومن هم ؟ قال : هم : آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم « 1 » .

--> ( 1 ) . صحيح مسلم 4 : 1873 ، مسند أحمد 3 : 376 . والظاهر أن ذيل رواية زيد ( أي قوله : « قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده » ) ممّا تلاعبت به أيدي الوضّاعين والمحرّفين ، فأصل الرواية هو « أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : لا ، نساؤه لسن من أهل بيته » ، ويدل على ذلك أمور : الأول : قول الإمام النووي في شرح مسلم 15 : 175 : « والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنّه قال : نساؤه لسن من أهل بيته » . - - الثاني : رواها مسلم في باب فضائل علي بن أبي طالب 4 : 1873 هكذا : « فقلنا : من أهل بيته ، نساؤه ؟ قال : لا ، وأيم اللّه إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته من حرم الصدقة » . الثالث : رواها الطبراني في المعجم الكبير 5 : 182 رقم 5026 قال : « فقلنا : من أهل بيته ، نساؤه ؟ قال : لا ، إن المرأة يتزوّج بها الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى بيتها وأمها ، أهل بيته وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده » . الرابع : أخرجها المناوي بطريقين هكذا قال : لفظه من أحدهما : « قيل لزيد : أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : لا ، ليس نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده » . ثم قال : « وفي رواية : أن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة » . الخامس : أخرجها ابن أبي شيبة في المصنّف 3 : 104 بلفظ : « قال يزيد وحصين : أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : لا ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة » . وممّا يدل على خروج نساء النبي صلّى اللّه عليه واله من أهل بيته أمور : الأول : رواية زيد المتقدّمة برواية مسلم والطبراني والنووي وابن أبي شيبة والمناوي : « أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : لا ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة » وفي بعضها : « لا ، ليس نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة » وفي بعضها الآخر : « إن المرأة تكون مع الرجل ثم يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة » . وهذا صريح جدا في خروج أزواج النبي صلّى اللّه عليه واله من أهل بيته ، بل هو من أوضح الواضحات . الثاني : الاتّفاق على أن أهل البيت عليهم السّلام تحرم عليهم الصدقة ، وأمّا نساؤه صلّى اللّه عليه واله فلا تحرم عليهن الصدقة وبشهادة قول الأعلام : قال ابن حجر في فتح الباري 5 : 219 : « أزواج النبي صلّى اللّه عليه واله لا تحرم عليهن الصدقة كما حرمت عليه ، لأن عائشة قبلت هدية بريرة وأم عطيّة مع علمها بأنّها كانت صدقة عليها ، ولذا لم تقدّمها للنبي صلّى اللّه عليه واله لعلمها أنّه لا تحل له الصدقة » . وقال المقدسي في الفروع 2 : 483 : « ولا تحرم الزكاة على أزواجه عليه السّلام في ظاهر كلام أحمد والأصحاب » . - - وقال الشوكاني في نيل الأوطار 4 : 175 : « قال ابن المنير : إنّها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولا واحدا » . ثم قال الشوكاني : « ونقل ابن بطّال اتّفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك ، أي في حرمة الصدقة » . فالنتيجة : أن الزوجات لسن من أهل البيت ؛ لعدم حرمة الصدقة عليهن اتّفاقا ، قولا واحدا . الثالث : وممّا يدل على خروج الأزواج عن أهل بيته ، تفريق النبي صلّى اللّه عليه واله في ذلك ، قال صلّى اللّه عليه واله : « أول من يلحقني من أهل بيتي أنت يا فاطمة ، وأول من يلحقني من أزواجي زينب » أخرجه كنز العمال 12 : 108 و 13 : 703 ، سبل الهدى والرشاد 10 : 100 وقال : « رواه تمام وابن عساكر » ، وتاريخ دمشق 17 : 73 من حديث الأوزاعي ، والجامع الصغير 1 : 327 . الرابع : رواية أم سلمة : « أن النبي صلّى اللّه عليه واله جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ، ثم قال : « اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا » فقالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول اللّه ؟ قال : إنّك على خير ، أو في مكانك ، أو أنت على خير أو إلى خير . أخرجه مسند أحمد 6 : 292 و 4 : 107 ، والمعجم الكبير 9 : 26 و 23 : 249 . والحديث بهذا المعنى مرويّ عن عائشة وأبي سعيد وابن عباس وواثلة بن الأسقع وسعد بن أبي وقّاص . انظر صحيح مسلم 4 : 1883 عن عائشة ، ومستدرك الحاكم 3 : 156 و 2 : 451 ، ومجمع الزائد 9 : 264 ، ومختصر البزّار للعسقلاني 2 : 332 عن أبي سعيد ، وشرح السنّة للبغوي 8 : 87 عن عائشة ، وقال : « صحيح أخرجه مسلم » والمعجم الكبير 3 : 53 ، ومسند ابن راهويه 3 : 678 عن عائشة ، والسنّة لابن أبي عاصم 2 : 901 عن ابن عباس ، وفتح القدير 4 : 279 وقال : « أخرجه الترمذي وصحّحه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة ، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد وغيره » ، وقد ذكر بعض طرقه السيوطي في الدرّ المنثور 6 : 603 ، وابن كثير في تفسيره 3 : 493 . الخامس : قوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُم الرِّجْس أَهْل الْبَيْت ويُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً فلو قلنا : إن الآية تشمل الزوجات كالآيات السابقة يلزم منه مخالفة السياق ، لأن الآيات السابقة كان الضمير فيها ضمير المؤنّث « منكن . . . وأطعن . . . ولا تبرجن . . . ولا تخضعن . . . وقرن . . . وأقمن الصلاة . . . وآتين الزكاة » بينما الضمير في آية التطهير هو ضمير المذكّر « ليذهب عنكم » فدل ذلك على خروج الأزواج منها . - - ثم إن آية التطهير جاءت في مقام المدح والتشريف والتطهير ، بينما الآيات السابقة التي تخص الأزواج لسانها لسان العتاب والتحذير والتأديب ، كقوله : إِن اتَّقَيْتُن . . . فَلا تَخْضَعْن ومن هنا نعرف انّه لا فضل لأزواج النبي صلّى اللّه عليه واله على بقية النساء إلّا بالتقوى ، وهذا صريح قوله تعالى : لَسْتُن كَأَحَدٍ مِن النِّساءِ إِن اتَّقَيْتُن فالفضيلة مشروطة بالتقوى ، وبدون التقوى لا فضل للزوجية ولا للصحبة ، وأين هذا من التطهير المطلق لأهل البيت عليهم السّلام . خاصة وقد صدر من بعضهن في حياته صلّى اللّه عليه واله وبعد وفاته . ما لم يكن يرضيه صلّى اللّه عليه واله . راجع سير أعلام النبلاء 2 : 229 ، وانظر : صحيح البخاري 4 : 1868 ، وصحيح مسلم 2 : 1107 ، ومصنّف أبن أبي شيبة 7 : 536 ، ومسند أبي يعلى 5 : 57 . السادس : ما ورد في تفسير آية المباهلة واختصاصها بهم عليهم السّلام ، روى مسلم 4 : 1871 قال : لمّا نزلت هذه فَقُل تَعالَوْا نَدْع أَبْناءَنا وأَبْناءَكُم ونِساءَنا ونِساءَكُم وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُم آل عمران : من الآية 61 ، دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله عليا وفاطمة والحسن والحسين : فقال : « اللّهم هؤلاء أهل بيتي » . السابع : إن القائل بأن الآية في نساء النبي هم عكرمة ومقاتل بن سليمان وعروة بن الزبير فقط . فأمّا عكرمة ، فهو من الخوارج ، وكان يرى رأي الأباضية والخوارج الذين بالمغرب أخذوا عنه ، وكان من الكذّابين المشهورين ، وقد كذّبه يحيى بن معين وابن المسيّب وعطاء بن رباح ومحمد ابن سيرين وابن المديني ، وتجنّبه مسلم ومالك وقال : « لا أرى أن يروى عنه » راجع : ميزان الاعتدال 3 : 89 ، وسير أعلام النبلاء 5 : 21 . وأمّا مقاتل بن سليمان ، فقد قال وكيع والنسائي : « كان مقاتل كذّابا » ، وقال الجوزجاني : « كان دجّالا جسورا » ، وقال ابن حبّان : « كان يأخذ من اليهود والنصارى علم القرآن ، وكان يكذب في الحديث » ، وقال ابن حجر : « كذّبوه وهجروه » ، وأورده العقيلي في الضعفاء وكذّبه ، ونقل أكثر الطعون عليه ، وكذا الرازي في الجرح والتعديل . راجع : ميزان الاعتدال 4 : 173 ، والمجروحين 3 : 14 ، وتقريب التهذيب 2 : 277 ، والضعفاء للعقيلي 4 : 234 ، والجرح والتعديل 8 : 354 . وأمّا عروة بن الزبير ، فقد كان ابن يحيى يقول : « كان أبي إذا ذكر عليا نال منه » ، وروى جرير عن محمد بن شيبة قال : « شهدت مسجد المدينة ، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليا وينالان منه » وكان الزهري يتّهمه في بني هاشم ( شرح النهج 4 : 64 و 102 ) ، وكان عروة - - يحدّث بحديث ينتقص فيه فاطمة عليها السّلام ( مختصر زوائد البزّار 2 : 358 ، مشكل الآثار للطحاوي 1 : 48 ) . فيظهر أن سند الأخبار هذه مخدوشة فلا معوّل عليها .