ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

29

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

مبغضهم وشاتمهم ومنتقصهم . والمقصود : أن ما يرمون به أهل السنّة من النصب بإطلاق هو من ترهّاتهم ، والواقع يكذّبهم ، فإن الأمر لو كان كما يزعمون لما كانت كتب السنّة المشرّفة تزخر بذكر فضائلهم والتحدّث عنهم ، فإن كتب الحديث التي ألّفها أهل السنّة ملآنة بمناقبهم ، وهي تحمل أجنحة خاصة بعناوين أبواب مناقب أهل البيت ، ولنضرب لذلك أمثلة تكذّب دعاويهم « 1 » . فهذا البخاري رحمه اللّه تعالى - وهو من أول من أصابته سهام مطاعن الروافض « 2 » - يذكر في صحيحه في المناقب ، باب : مناقب علي بن أبي طالب القرشي

--> ( 1 ) . لا ينكر وجود بعض روايات المناقب في كتب أهل السنّة ، وذكرنا في المقدّمة أن منهم من عانى الكثير ، ومنهم من قتل بسبب روايته لأحاديث المناقب كالنسائي والكنجي الشافعي ، لكن حب أهل البيت عليهم السّلام الذي هو بمعنى الميل القلبي لهم ، فهو وإن كان فرضا واجبا عينيّا على كل مسلم بمقتضى قُل لا أَسْئَلُكُم عَلَيْه أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ( الشورى : 23 ) وصريح الصحاح والحسان ، إلّا أن مراد الباري تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه واله هو وجوب الاتّباع والاقتداء بهم في القول والعمل ، ووجوب التمسّك بهم دون غيرهم بما أنّهم أوصياؤه وخلفاؤه صلّى اللّه عليه واله ، وهذا هو ما تدل عليه الروايات الصحيحة الصريحة . فقوله صلّى اللّه عليه واله : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا » هو وجوب التمسّك بهما ، لا الحب المجرّد عن الاتّباع ، خصوصا وأن النبي صلّى اللّه عليه واله قرنهم بالكتاب وجعلهم عدل الكتاب ، وحكم صلّى اللّه عليه واله بضلال من لم يتمسّك بهما معا ، فحكمهما واحد من جهة وجوب الرجوع والأخذ منهما ، وإلّا لا معنى لقول القائل : إنّي أحب كتاب اللّه ، وهو لا يأخذ بأوامره ونواهيه ! وهكذا حديث السفينة المتواتر عند الفريقين ، قال صلّى اللّه عليه واله : « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها هلك » والمعنى : من لجأ إليهم وتمسّك بهم في الدين كان من الناجين ، ورتّب الهلاك على التخلّف عنهم ، فالنجاة معهم ، والهلاك بالتخلّف عنهم ، وهذا هو الإلزام باتّباعهم . ( 2 ) . يبدو أن من بين من أصاب البخاري وكتابه بسهام النقد والاعتراض هم من أئمة الحديث - - وحفّاظه كالإمام الذهلي والإمام أبو زرعة والحافظ الدمشقي والإمام الرازي والبدر العيني وعميد الأزهر رشيد رضا ومحمد عبده ، ومشايخ كأبي ريّة ومحمد فوزي وأحمد أمين وأحمد شاكر وطه حسين وغيرهم . فهذا الإمام الذهلي كان يقول : « من ذهب إلى البخاري فاتّهموه » ( سير أعلام النبلاء 12 : 456 ، تاريخ دمشق 52 : 94 ) . وكان الإمام أبو زرعة يصف البخاري ومسلم فيقول : هؤلاء قوم أرادوا التقدّم قبل أوانه ، فعملوا شيئا يتسوّقون به ، فألّفوا كتبا ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها » ( ميزان الاعتدال 1 : 126 ) . وقال الحافظ الدمشقي : « الحكم بأصحيّة ما في الكتابين عين التحكّم ، ومن قال : أصح الأحاديث ما في الصحيحين ثم ما انفرد به البخاري ثم مسلم ، تحكّم لا يجوز التقليد به » ( توجيه النظر : 120 ) . وقال البدر العيني في عمدة القاري ، والدمشقي في توجيه النظر ، وابن حجر في مقدّمة الفتح ، وابن الصلاح في المقدّمة : « إن البخاري احتج بجماعة سبق من غيره الطعن بهم ، أو جرحهم بعض المتقدّمين » ( عمدة القاري 1 : 8 ، وأضواء على السنّة المحمدية : 303 ) . وقال الدكتور أحمد أمين : « إن بعض الرجال الذين روى لهم البخاري غير ثقات ، وقد ضعّف الحفّاظ من رجال البخاري نحو الثمانين ، وهي في الواقع مشكلة المشاكل « ( ضحى الإسلام 2 : 117 ) . ومن راجع المنار للسيد رشيد رضا يجد الكثير من الكلام والإشكالات على صحيح البخاري ؛ كالرواية بالمعنى ، وتقطيع الروايات ، ومن لطيف ما قال : « ليس من أصول الإيمان ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما كان موضوعه ، بل لم يشترط أحد في صحّة الإسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطّلاع على صحيح البخاري والإقرار بكل ما فيه » ( المنار 29 : 104 ) .