ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

176

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

قال أبو هريرة : فما كان أحد أحب إليّ من الحسن بن علي بعد ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ما قال « 1 » . وفي الحديث منقبة للحسن أيضا ، وأنّه محبوب للّه ولرسوله ، وزاده تعالى إكراما ، فجعل محبّيه من الحبوبين له عزّ وجل . وفي الحديث ردّ على الروافض وغلاة الشيعة الذين يطعنون في راوية الإسلام وحافظ الصحابة : أبي هريرة الذي يصرّح بأن الحسن كان أحب الناس إليه ، وهو الذي صح عنه أنّه طلب من الحسن أن يكشف له عن سرّته ليقبّلها حيث رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فكشف عن بطنه فقبّل سرّته ، رواه أحمد والحاكم « 2 » بسند صحيح ، فهل مثل هذا يقال فيه : إنّه ناصبيّ وعدوّ لأهل البيت « 3 » .

--> ( 1 ) . صحيح البخاري 5 : 2257 ، صحيح ابن حبّان 15 : 417 ، مسند أحمد 2 : 331 وليس فيه كلام أبي هريرة . ( 2 ) . مسند أحمد 2 : 255 ، مستدرك الحاكم 3 : 184 . ( 3 ) . والقول بتوثيق الراوي أو القول بصلاحه لأجل فعل مثل هذا ، عجيب ، فالفعل صامت لا إطلاق فيه ، ولا يدل على شيء . نعم فيه إشعار على احترام المقابل . لكنّه لا يدل على الوثاقة ولا حسن الحال ، بل ليس فيه إشعار بذلك ، وهو شبيه ما كان يقوم به بعض اليهود والمنافقين بأفعال تشعر بمزيد الاحترام للنبي صلّى اللّه عليه واله ، إذ كانوا يقومون إذا مرّ النبي صلّى اللّه عليه واله أو الحسن والحسين ، لكنّها لا تدل على شيء ، وليس فيها إشعار بحسن الحال فضلا عن الوثاقة ، وهذا عند جميع علماء الإسلام . ولو تنزّلنا جدلا وقلنا : إن الفعل يدل على حسن الحال ، فإنّه إنّما يدل عليه في زمان الفعل ، وأمّا في غيره فلا يدل على شيء ، خصوصا زمن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام وما حصل في تلك الأعوام من التمحيص والبلاء وانحراف الكثير ، فإن القول بوثاقة أحد فيها اعتمادا على فعل قام به قبل ثلاثين سنة ، مردود . يضاف إليه أن أبا هريرة كان موضع اتّهام الصحابة وأكثر الناس : قال العلّامة الرافعي في آداب العرب 1 : 282 : « كان عمر وعثمان وعلي وعائشة ينكرون عليه - - ويتّهمونه ، وهو أول راوية اتّهم في الإسلام ، وكانت عائشة أشدّهم إنكارا عليه » . وكان علي عليه السّلام يقول : « لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله » شرح النهج 20 : 24 . وقال عليه السّلام : « أكذب الأحياء على رسول اللّه أبو هريرة الدوسي » شرح النهج 4 : 68 . وقالت له عائشة مرارا ، وكانت أشدّ الناس عليه : « أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّه » سير أعلام النبلاء 2 : 604 . وكذّبه عمر وضربه بالدرّة وقال : « قد أكثرت الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول اللّه » شرح النهج 4 : 68 . وقال : « لقد أكثرت ، لتنتهين أو لألحقنّك بجبال دوس » المحدّث الفاصل : 554 . واتّهمه بسرقة بيت المال وقاله له : « يا عدّو اللّه وعدوّ المسلمين وعدوّ كتابه ! سرقت مال اللّه » الطبقات الكبرى 4 : 335 وفتوح البلدان 1 : 100 . وكذّبه مروان وقال له : « يا أبا هريرة ، إن الناس قد قالوا : أكثر الحديث عن رسول اللّه ، وإنّما قدم قبل وفاته بيسير » سير أعلام النبلاء 2 : 605 . ونقل الذهبي في سير أعلام النبلاء 2 : 608 عن إبراهيم النخعي أنّه قال : « كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة » و « ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلّا ما كان حديث جنّة أو نار » . وقد شهد هو بنفسه على تكذيب الناس له ، ففي مسند أحمد 2 : 240 ، والسنن الكبرى للنسائي 5 : 505 : « كان يقول : إنّكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول اللّه » وفي 2 : 424 من المسند : « عن رزين قال : رأيته يضرب جبهته بيده ويقول : يا أهل العراق ، تزعمون أنّي أكذب على رسول اللّه » ، وزاد ابن ماجة في السنن 1 : 130 : « وقال : ولكم المهنّا وعليّ الإثم » ، وزاد في مصنّف ابن أبي شيبة 6 : 41 : « لتهتدوا وأضل » ومثله في تاريخ دمشق 5 : 95 ، ومسند ابن راهويه 1 : 53 . ومن طريف ما ينقل : أن رجلا يلبس حلّة جديدة أتى أبا هريرة ، فقال له : إنّك تكثر الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فهل سمعته يقول في حلّتي هذه شيئا ؟ ! أخرجه في صحيح ابن حبّان 12 : 491 ، تاريخ دمشق 67 : 354 ، البداية والنهاية 8 : 116 . ويجدر هنا أن ننقل عنه موردين فقط : الأول : ما رواه البخاري في التاريخ الصغير 1 : 43 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 : 76 : « قال أبو - - هريرة : دخلت على رقيّة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وبيدها مشط . . . » إلى آخره . وهذا كذب صريح ، فإن رقية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ماتت وقت معركة بدر ، وأبو هريرة أسلم بعد فتح خيبر بالاتّفاق . الثاني : ما رواه البخاري في الصحيح 1 : 411 ، وابن حبّان في صحيحه 6 : 403 : « قال : ثم صلّى بنا النبي صلّى اللّه عليه واله الظهر والعصر فسلّم في ركعتين ، فقال له ذو اليدين : أنقصت أم نسيت ؟ » . وهذا أيضا كذب ، فإن ذا اليدين استشهد ببدر قبل أن يسلم أبو هريرة بزمان ، كما في الثقات لابن حبّان 3 : 301 ، والإصابة 4 : 598 . وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء 2 : 608 : « كان شعبة يقول : كان أبو هريرة يدلّس » ونقله ابن حجر في الإصابة 1 : 67 وقال : « والتدليس أخو الكذب » . هذا ، وقد انتقده الكثير من أعلام أهل السنّة المتأخّرين ؛ كالعلّامة الرافعي ، والسيد رشيد رضا صاحب المنار ، والسيد محمد عبده شيخ الأزهر ، والدكتور طه حسين ، والدكتور أحمد أمين ، والشيخ العلّامة محمود أبو ريّة في كتابيه « شيخ المضيرة » و « أضواء على السنّة المحمدية » ، وآخرين غيرهم .