ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي
150
الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة
بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فلمّا سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلّى اللّه عليه واله فقالت له : إن قومك يتحدّثون أنّك لا تغضب لبناتك ، وهذا عليّ ناكح ابنة أبي جهل . قال المسور : فقام النبي صلّى اللّه عليه واله فسمعته حين تشهّد ثم قال : « أمّا بعد ، فإنّي أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدّثني فصدّقني ، وإن فاطمة بنت محمد مضغة منّي ، وإنّني أكره أن يفتنوها ، وإنّها واللّه لا تجتمع بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وبنت عدوّ اللّه عند رجل واحد أبدا » . فترك عليّ الخطبة . وفي رواية : « فإنّما ابنتي بضعة منّي ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها » . وفي رواية : « فمن أغضبها أغضبني » « 1 » .
--> ( 1 ) . صحيح البخاري 3 : 1364 ، صحيح مسلم 4 : 1902 . وفي هذه القصّة التي رواها المسور بن مخرمة ، نظر : أولا : اضطراب القصة تاريخيا : فقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب 10 : 138 أن الخطبة وقعت بعد ست سنين أو سبع من ولادة المسور . وولادة المسور في السنة الثانية للهجرة بالاتّفاق كما سيأتي ، فتكون القصّة في السنة الثامنة للهجرة . مع أن جويرية بنت أبي جهل كانت في ذلك الزمان من الكفّار ، وكانت بمكة ولم تسلم إلّا بعد عام الفتح . قال في شرح النهج 17 : 283 : « عندما دخل النبي صلّى اللّه عليه واله إلى مكة عام الفتح كانت جويرية من الكفّار ، ولمّا أذّن بلال ، قالت : أمّا الصلاة فسنصلّي ولكن واللّه لا نحب من قتل الأحبّة أبدا » . فإذا كانت في تلك السنة من الكفّار وبمكة ، فكيف خطبها علي عليه السّلام ؟ ! وقد كان نكاح الكافرات محرّما قبل ذلك الزمان ، ومعلوما لكل المسلمين ، عالمهم وجاهلهم ، أفهل يعقل أن يقدم عليّ على خطبة كافرة وهو أعلم الصحابة وأفقههم بالحلال والحرام ؟ ! وهذا لوحده كاف في إسقاط هذه الرواية والحكم عليها بالوضع ، ولذا استبعده ابن حجر وغيره . ثانيا : حال المسور بن مخرمة : فقد قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 : 394 : « ولد بعد الهجرة بعامين » ، ومثله في تهذيب التهذيب 10 : 138 ، والثقات لابن حبّان 3 : 394 ، ومشاهير علماء الأمصار له أيضا : 43 . وتقدّم عن ابن حجر أن حادثة القصّة وقعت في السنة الثامنة . فيكون حينئذ عمر المسور في تلك السنة ست سنين ! فلا يصح له سماع ، ثم كيف سمع من النبي لوحده - - دون بقيّة الصحابة ؟ وهو يقول : صعد النبي صلّى اللّه عليه واله على المنبر ، أفهل كان المسجد خاليا إلّا من طفل عمره ست سنين ؟ ! ! ! وهل كان النبي صلّى اللّه عليه واله يتحدّث بهذا الأمر المهم ويعطي حكما شرعيا بعدم جواز الجمع بين بنت نبي اللّه وبنت عدوّ اللّه ، ويبيّن فضيلة الزهراء وأنّه يؤذيه ما يؤذيها ، والمسجد خال من الصحابة إلّا من طفل لا يتجاوز السادسة من عمره ؟ ! ! ! وجاء في الثقات لابن حبّان 3 : 394 ، والتعديل والتجريح للباجي 2 : 832 ، ومشاهير علماء الأمصار ، لابن حبّان : 43 ، وتهذيب التهذيب 10 : 138 : « إن المسور ولد في السنة الثانية للهجرة بمكة ، وقدم به سنة ثمان في النصف من ذي الحجة وهو ابن ست سنين » يعني أواخر السنة الثامنة تماما ! وهذا معناه : أن المسور لم يكن في المدينة في السنة الثامنة وهي سنة الخطبة المزعومة ، فتبيّن أن عمر المسور ست سنين ، وهو لم يكن في المدينة بل جاء إليها في أواخر السنة الثامنة كما هو ظاهر . ثم إنّه قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه واله على المنبر وكنت محتلما ، أي بالغا ، مع أن كل المؤرّخين اتّفقوا على أن ولادة المسور كانت في السنة الثانية للهجرة ، فيكون عمره عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه واله ثمان سنين ، وفي زمان القصّة يكون ست سنين ، ولذا اعتبر ابن حجر ذلك مشكل المأخذ ، قال في تهذيب التهذيب 10 : 139 : « وهو مشكل المأخذ ؛ لأن المؤرّخين لم يختلفوا أن مولده كان بعد الهجرة ، وقصّة الخطبة كانت بعد مولد المسور بنحو ست سنين أو سبع ، فكيف يسمّى محتلما » . وأمّا حال المسور ، فهو على دين الخوارج ، بل هو من أعيانهم . قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 : 391 : « قال الزبير بن بكّار : كانت الخوارج تغشّاه وينتحلونه » . وقال ابن عبد البرّ في الاستيعاب 3 : 456 : « كانت تغشّاه الخوارج وتعظّمه وتبجّل رأيه » . وهذا صريح في أن رأيه موافق لرأي الخوارج خصوصا في علي عليه السّلام ، ولو كان رأيه مخالفا لهم في علي لكفّروه على ذلك كما كفّروا غيره . ثالثا : أن هذا الحديث : « فاطمة بضعة منّي ، يريبني ما أرابها ويؤذيني ما يؤذيها » والحديث الآخر « فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني » مرويّان في أكثر المتون الحديثية من دون قصة الخطبة ، كما في صحيح البخاري 3 : 1361 ، صحيح مسلم 4 : 1903 ، فضائل الصحابة لأحمد : 78 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 97 ، المعجم الكبير 22 : 404 بعدّة طرق ، كنز العمال - - 12 : 112 ، تهذيب الكمال 35 : 250 ، سبل الهدى 11 : 162 ، ينابيع المودّة 2 : 53 عن الترمذي ، وقال : « صحيح » ، مصنّف ابن أبي شيبة 7 : 526 ، الآحاد والمثاني 5 : 361 بعدّة طرق ، البيان والتعريف 1 : 116 رقم 271 وقال : « أخرجه الشيخان وأبو داود والإمام أحمد وغيرهم » ، كشف الخفاء 2 : 80 رقم 1829 وقال : « رواه الشيخان عن المسور بن مخرمة ، ورواه أحمد والحاكم والبيهقي » الإصابة 8 : 265 ، مصابيح السنّة 2 : 522 ، شرح السنّة 8 : 120 ، مناقب ابن المغازلي : 284 ، الفردوس 3 : 161 ، شرح المواهب اللدنّية 4 : 335 ، مشكاة المصابيح 3 : 369 . وغير ذلك كحاشية السندي وفتح الباري والجامع الصغير والفيض القدير ونظم درر السمطين . وهذا يقوّي أن هذه القصّة مفتعلة وملصقة بهذا الحديث . رابعا : أن هذه القصة تكذّبها سيرة أمير المؤمنين عليه السّلام ، فلم يعهد منه أنّه خالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، بل لم ينقل التاريخ أنّه عمل عملا يكرهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، فكيف يفعل ما يؤذي النبي صلّى اللّه عليه واله ؟ ! وهذا الأمر معلوم لمن راجع سيرة الإمام علي عليه السّلام مع النبي صلّى اللّه عليه واله . خامسا : أن في هذه القصة إساءة للنبي صلّى اللّه عليه واله لأن التزوّج بأربع نسوة حلال محلّل ، فكيف ينهى عنه النبي صلّى اللّه عليه واله ويتأذّى منه ؟ ! ! ! فلو قيل : إن الحكم هو ( حرمة الجمع بين بنت نبي اللّه وبين بنت عدوّ اللّه ) قلنا : هذا باطل ، لأن عثمان بن عفّان جمع بين رقية وبين رملة بنت عدوّ اللّه شيبة ( أسد الغابة 5 : 459 ، الطبقات الكبرى 8 : 239 ، الإصابة 8 : 142 ) فلما ذا لم ينه النبي صلّى اللّه عليه واله عن ذلك ؟ ولو قيل : إن الحكم مختص بعلي وفاطمة ، فجوابه : ما هو الدليل على التخصيص ؟ ولو وجد المخصّص فكيف لم يعلم به أعلم الصحابة وأفقههم وباب مدينة علم النبي صلّى اللّه عليه واله ؟ !