ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي

129

الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة

عمّارا » فقال عمرو لمعاوية : أتسمع ما يقول هذا ؟ فحذفه ، قال : نحن قتلناه ؟ إنّما قتله من جاء به ، لا تزال داحضا في بولك « 1 » . فالحديث من طريقيه أمره واضح ، ومع ذلك قد أصرّوا جميعهم على عداوة الإمام علي وأهل بيته ، ولعنه على منابرهم حتّى بعد موته ، فكيف يتّفق هذا مع الاجتهاد « 2 » ؟ إنّنا نأمل الإجابة عن هذا الإشكال من أهل العلم والحق بكل صراحة ، وبلا تعسّف ولا تحيّز ولا مداهنة . . . علما بأنّنا جميعا من أهل السنّة والجماعة وطالبي الحق . * * * النوع الثالث : قتاله الخوارج ، وهم الذين خرجوا عليه رضي اللّه تعالى عنه ، وكانوا من أصحابه وفي جيشه . وسبب ذلك أنّه لمّا أشرف جيش معاوية على الهزيمة بيّتوا مكيدة ضدّ سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه برئاسة عمرو بن العاص ، فدعوا إلى التحكيم ورفعوا المصاحف « 3 » ، فقبل سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه « 4 » ، فخلعوه وأقرّوا معاوية ،

--> ( 1 ) . السنن الكبرى للنسائي 5 : 157 ، مجمع الزوائد 9 : 488 . ودحضت في بولك : أي زلقت وزللت . ( 2 ) . وقد تقدّمت الروايات الصحيحة عن النبي صلّى اللّه عليه واله : « من سب عليا فقد سبّني . . . من فارق عليا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق اللّه . . . ومن آذى عليا فقد آذاني والَّذِين يُؤْذُون رَسُول اللَّه لَهُم عَذاب أَلِيم ( التوبة : من الآية 61 ) . . . ومن أطاع عليا فقد أطاعني ، ومن عصى عليا فقد عصاني وغيرها . . . هذا وقد روى البخاري في الصحيح في كتاب الفتن 6 : 2604 عن حذيفة بن اليمان قال : إنّما كان النفاق على عهد النبي صلّى اللّه عليه واله ، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الإيمان . ( 3 ) . قال ابن حجر في الإصابة 1 : 64 : « فقد انتهت صفّين بخدعة التحكيم المشهورة » . ( 4 ) . لم يقبل أمير المؤمنين عليه السّلام إلّا مجبرا ، وقد هدّده الخوارج بالقتل أو يسلّموه إلى معاوية ، فقبل - - على مضض ، وكان عليه السّلام يقول : « أيّها الناس ، إنّي أحق إلى أن أجيب بكتاب اللّه ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط وابن أبي سرح وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، إنّي أعرف بهم منكم ، صحبتهم صغارا ورجالا ، فكانوا شرّ صغار وشرّ رجال ، ويأمرون بكلمة حق لكنّهم يريدون بها باطلا ، إنّهم لا يعملون بها ، ولكنّها الخديعة والمكيدة ، قاتلوهم ساعة فقد بلغ الحق مقطعه » فامتنع الخوارج من القبول إلّا بالتحكيم . فقال لهم عليه السّلام : « ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب اللّه ، وأول من أجاب إليه ، إنّما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن ، فإنّهم قد عصوا اللّه فيما أمرهم ، ونقضوا عهده ، ونبذوا كتابه ، ولكنّني قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم ، وأنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون » ، وقعة صفّين لابن مزاحم : 489 ، ينابيع المودّة 2 : 13 .