اسد حيدر
23
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ينادي : من ذكر غير التفسير والحديث والفقه ، وتعرّض لكلام الفلاسفة ينفى . وأفتى الذهبي بتحريق كتب علوم الفلسفة ، وإعدام علمائها والقائمين عليها ، إذ يقول : وما دواء هذه العلوم ، وعلمائها القائمين بها علما وعملا إلا التحريق والإعدام من الوجود « 1 » . حتى عدّ الاضطهاد في سبيل المذاهب والأفكار سمة السياسة لأنه « منذ ظهر الإسلام كان من يخالف الجمهور في المعتقدات والآراء يحمل إلى الولاة ، فإما أن يستتيبوه أو يعاقبوه ، وما فتئ المهيمنون على الشريعة يثيرونها حربا شعواء على كل من جاهر بفكرة دعا إليها أو لم يدع ، ويكفي في بلائه خروجه عن المألوف والعرف » « 2 » . وانتهز العوام والمتفقهة فرصة غضب الملوك على الفلاسفة ، فراحوا يروّجون التهم حول كثير من علماء الأمة إذا وجدوا ميلا من السلطان نحوهم ، وكان شهاب الدين السهروردي من الحكماء الذين قربه الملك الظاهر غازي ولد السلطان صلاح الدين ، فحسده علماء عصره ، وناظروه فانتصر عليهم . فالتجئوا إلى الدس والكذب ، ورموه بالكفر والإلحاد ، وطلبوا استئصال الشرّ بقتله حتى لا ينفذ إلحاده ، فتم لهم ما أرادوا ، وأمر السلطان ولده بقتله بلا مراجعة ، فقتله سنة 586 ه عن 36 سنة ، وعرف في التاريخ بالشاب المقتول . وقد أورد ابن أبي أصيبعة أن الظاهر غازي بن صلاح الدين ، دعا الفقهاء إلى مساجلة السهروردي ، فانتصر عليهم وأفحمهم ، فزاد حقدهم عليه ، فدبروا له تهمة المروق عن الدين ، وعملوا محاضرة بكفره ، وسيّروها إلى الملك الناصر صلاح الدين وقالوا : إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر ، وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية يكون بها من البلاد . وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك ، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقّه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه : إن هذا الشاب السهروردي لا بد من قتله « 3 » . ومكانته في الفلسفة لا ينكرها حتى أعداؤه ، فهي من أبرز صفاته عندهم ، كما
--> ( 1 ) كرد علي ، الحضارة الإسلامية 2 / 43 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ص 69 . ( 3 ) ابن أبي أصيبعة ، الطبقات ص 642 .