اسد حيدر
10
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وألتزم هنا نهج البحث في عوامل التعصب الطائفي وأسباب الخلاف المذهبي كمشكلة تاريخية سببت الفرقة بين المسلمين وفككت وحدتهم وباعدت بينهم ، وقد خصصت في الأجزاء السابقة من الكتاب حيزا كبيرا لدراسة نتائج التعصب وعوامل قيامه ، وأوضحت ما علق بفعل ذلك في أذهان الناس من أمور تسيء إلى مفهوم الانتماء إلى المذاهب وغلبة نزعة العداء على جوهر المبادئ ، حتى أدى ظاهر الالتزام بها إلى الخروج عن ميزان الشرع ، وحدوث انعكاسات سلبية على المجتمع فأحدثت خللا فيه ، إذ خرجت المنازعات عن حدود التوازن الفكري أو الخلاف الواعي ، فتعددت حدود الاستقامة والاعتدال - في السلوك والتصرف - إلى الاعتقاد ، حتى أصبح النص الوارد في الكتاب ( عند بعضهم ) لا يعمل به إن خالفه رئيس المذهب الذي أصبحت أقواله سنة ، ومخالفته بدعة ، وعدم اتباعه كفرا ، حتى قالوا أن الكتاب تنسخه مخالفة أقوال علماء المذهب ، يقول الكرخي « 1 » : « الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فإنها محمولة على النسخ ، أو على الترجيح والأولى على التأويل ، من جهة التوفيق . الأصل أن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ ، أو يحمل على أنه معارض بمثله ، ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه ، بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح ، أو يحمل على التوفيق » « 2 » . ويبين لنا هذا النص مدى الارتباط بالمذهبية والالتزام بأقوال الأئمة حتى وإن خالفت الواقع ، ويخضعون الكتاب لموافقة أقوالها ، وإذا امتنع النص القرآني فإنهم ينسخون ويعملون بما جاء عن أصحاب المذاهب « فهم مدفوعون وراء المذهبية تعصبا ، ويطرحون الدليل ويؤوّلونه تأويلا بعيدا لا يتفق مع الحقيقة . فهذه هي المذهبية التي يبغضها اللّه ورسوله » « 3 » . ولقد أدت شؤون الحكم ومقتضيات السلطان إلى تبني التمذهب وجعل الرئاسة في الفقه من أعمدة السياسة ، فتأثر - تبعا لمواقف الملوك والحكام ، وجود ونشاط
--> ( 1 ) عبيد اللّه بن الحسن أبو الحسن الكرخي . ولد سنة ستين ومائتين ، ومات سنة أربعين وثلاثمائة ، انتهت إليه رئاسة الحنفية ، كان من المجتهدين في المسائل على مذهب أبي حنيفة ، وله المختصر وشرح الجامع الصغير وشرح الجامع الكبير . ( 2 ) الدكتور مصطفى سعيد الجن ، نقلا عن أصول الكرخي ، ص 84 القاهرة 1972 . ( 3 ) الدكتور مصطفى سعيد الجن ، أثر الأخلاق في القواعد الأصولية ، ص 9 .