اسد حيدر

9

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

تمهيد إن البحث عن المذاهب ودراسة الظروف والملابسات التي أحاطت بها يجب أن تدرس دراسة تأريخية بعيدة عن التعصب والتحيز ، لأن التحيز لجهة والتعصب على أخرى يغير صور الحوادث ، ويشوه الحقيقة ، وهذا هو الظلم الأدبي كما يقولون . وإذا كان دافع البحث هو حب الحقيقة فلا بد أن يكون بصدق وموضوعية بعيدا عن التأثر بعوامل أخرى ، وبذلك يكون الباحث قد نال شرف خدمة الحق واتباعه . ولا بد لنا أن نلمس خطورة البحث وأهميته ، ولهذا يلزمنا أن نتجرد عما يخالف الحقيقة ، بل يجب أن نخوضه بروح صادقة ، ونية خالصة لمعالجة هذا الموضوع الذي له دخل في واقع المسلمين في الحاضر والماضي ، وإن الحوادث المؤلمة التي توالت على مسرح حياتنا في جميع الأدوار ، وما أدت إليه من نتائج سيئة في المجتمع الإسلامي ، وإن كانت نتيجة عوامل كثيرة متداخلة ، إنما يعود إلى التعصب المذهبي ، فهو المؤثر الأكبر والعامل القوي في تفرق المسلمين شيعا وأحزابا ، وقد انقسموا على أنفسهم انقساما شائنا ، فكل يتهم الآخر بالانحراف عن الدين ، وكل طائفة اعتزلت الأخرى ، ترميها بما لا يتفق وروح الإسلام ونظمه . ومما يؤسف له أنهم قد أسرفوا في الجدل إسرافا أخرجهم عن ميزان العدل ، فقد راحوا يلتمسون على ذلك ألوانا من الحجج يبدو فيها التكلف ويتجلى فيها البطلان . وقد غلب عليهم الجمود الفكري والتزموا بالتقليد في أخذ الأحكام عن أئمة المذاهب ، إذ لا يمكن في نظرهم أن يصل أحد إلى ما وصلوا إليه من العلم ، فهو مقصور عليهم ، والاجتهاد في الأحكام من اختصاصهم دون غيرهم .