اسد حيدر
28
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
والطرف ، واختلاج الأعضاء ، إنما هو منسوب إلى جعفر بن محمّد أبي معشر الفلكي ، وليس بالصّادق ، وإنما يغلطون « 1 » . قلت بل أكثرهم كان يتعمد ذلك ، ولا شيء هناك إلّا عوامل السياسة ، ولا أذهب بك بعيدا في الاستدلال على ذلك ، أو أرجع بك إلى تلك العصور التي سيطرت عوامل السياسة على عقول أبنائها ، فأعمتها عن الحق ، وأبعدتها عن الصواب ، ولكني أسلك بك أقرب الطرق في أقرب العصور - عصر النور أو القرن العشرين - هذا الدكتور أحمد أمين يقع في هذا الغلط ، أو يتغافل عن الحقيقة ! يقول في « فجر الإسلام » : في هذا العصر كان العلم - ولا سيما الديني - يدرس في المساجد ، يجلس الأستاذ في المسجد ، وحوله الآخذون عنه ، على شكل حلقة ، وتكبر الحلقة وتصغر تبعا لقدر الأستاذ . إلى أن يقول : وكذلك كان يفعل جعفر الصّادق في المدينة - أي أنه يجلس ويجلس الآخذون حوله حلقة - قالوا : وكان يشتغل بالكيمياء والزجر والفأل « 2 » . ولا يخفى على القارئ اللبيب سرعة انتقال الأستاذ أحمد أمين لنقل ذلك القول وإيراد ذلك الغلط ، وما يقصده في ذلك ، كما لا تخفى نزعته العدائية للشيعة ، فلا يروقه أن يذكر حلقة درس رئيس مذهبهم في المسجد ، وإعطاء ما يلزم لها من النقل التاريخي ، إن كان مؤرخا منصفا ، ولكنه يثقل عليه ذلك . وخلاصة القول : إن الإمام الصّادق لم يرو عن أحد من التابعين ، ولم يحضر حلقة درس أي واحد منهم ، أما في حياة أبيه ، فقد كان في غنى عن ذلك ، وأما من بعده فإنه أصبح المبرز في كل فن ، والمرجع الأعلى في الأحكام ، وكانت حلقة درسه تضم رجال العلم من رؤساء المذاهب وغيرهم ، كسفيان الثوري ، وشعبة بن الحجاج ، وسفيان بن عيينة ، ومالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأيوب السجستاني ، وعبد الملك بن جريج وغيرهم . فليس من المعقول أن يكون - رئيس مدرسة تضم أمثال هؤلاء - يحضر درس من هو أقل درجة منه ، بل هم أقل درجة من كثير من تلامذته . وإن أمثال هذه الأقوال إنما تقال لمجرد المبالغة في التقدير والتوثيق في حق من يريدون رفع
--> ( 1 ) البداية والنهاية ج 11 ص 51 . ( 2 ) فجر الإسلام ص 165 .