اسد حيدر

10

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

أحرج موقف يقفه زعيم ديني يحمل رسالة الإسلام ، ويريد تطبيق نظامه في عصر هبّت فيه زوبعة الأهواء ، واختلفت الآراء ، وذهب الناس فيه مذاهب شتّى ، وسلكوا طرقا متباينة ، فالموقف إذا يحتاج إلى قيادة حكيمة ، وسياسة إسلامية مركّزة ، فكان موقفه عليه السّلام موقف القائد المحنّك ، الذي يسير على هدى من دينه ، وبصيرة من أمره ، ولقد ظلم التاريخ مواقفه ، وألجم عن التصريح بأعماله وآثاره ، ولو أفصح التاريخ عن جميع مآثره وجليل أعماله - ولم يكن محظورا عليه ذلك - لاتسعت دائرة البحث عن إدراك جوانب تاريخ حياته . ومن الحق هنا الاعتراف بالقصور عن إدراك شخصيته ومكانتها في تاريخ الإسلام ، وما لها من الأثر العظيم في التشريع الإسلامي . وليس ذلك ، لغموض يكتنف جوانب عظمته ، أو وجود زوائد في دراسة حياته ، أو اندفاع وراء العاطفة لرفع مكانته وعلوّ مقامه بدون حق ، كل ذلك لم يكن ، وإنما اتساع دائرة معارفه ، وتعدد نواحي شخصيته ، وعظيم أثره في بعث الفكر الإسلامي ، وتدفق ينبوع آرائه ، وجهاده المتواصل في سبيل توجيه الأمة بآثاره الخالدة وتعاليمه القيّمة ، هو السبب في قصور الباحث عن إدراك الغاية المطلوبة بسهولة . والتزمت أن أذكر في كل جزء إماما واحدا من الأئمة الأربعة . فذكرت في الجزء الأول : الإمام أبا حنيفة ، وفي الثاني : الإمام مالكا ، وفي هذا الجزء الإمام الشافعي ، مقتصرا على ذكر أنسابهم ومناقبهم ونشأتهم ونبوغهم ، وذكر شيوخهم وتلامذتهم ، دون استقصاء لآرائهم وفقههم . وفي الجزء الرابع يأتي ذكر الإمام أحمد بن حنبل . وفي بقية الأجزاء سنعرض إلى الموازنة والمقارنة بين المذاهب الإسلامية . تفاوت المذاهب في الانتشار : تكلّمت فيما مضى عن أسباب نشأة المذاهب وانتشارها وكثرة عددها ، وقد اقتصرت على ذكر البعض منها ، مع بيان موجز عن حياة رؤسائها ومنزلتهم العلمية . وأشرت إلى أسباب اندراس تلك المذاهب وبقاء الأربعة منها : الحنفي ، والمالكي ، والشافعي ، والحنبلي . وقد اتضح لنا أن للحكومات دخلا في نصرة المذاهب وانتشارها ، فإذا كانت الحكومة قوية وأيّدت مذهبا من المذاهب ، تبعه الناس بالتقليد ، وظل سائدا إلى أن تزول الدولة .