اسد حيدر
621
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ومن الحقيقة ، التي تتجلى بسهولة لكل من نزع عن عينيه التعصب وتمرد على تأثير الدعايات وإيحاءات الباطل ، أن شروط الصحبة وصفات المؤمن التي نص عليها القرآن وخصائص القرب من الرسول الأعظم لم تكن تشمل كل أفراد عصر الرسالة ، فإن المغالاة في التعميم تقوم على غرض لا يختلف في شيء عن الغرض الذي أعيا الحكام الظلمة تحقيقه وهم يواجهون أهل البيت بمكانتهم وعظيم منزلتهم بين الناس باعتبار الأئمة منهم أهل الولاية الشرعية ونواب صاحب الرسالة والأوصياء المؤتمنين على أمور الدين والرعية فكانت مسألة تقديس كل من ضمته تسمية الصحبة بعد توسيعها وتعميمها هي مضاهاة منزلة أهل البيت وعدم تمييزهم وإرغام الناس على عدم ذكر الحقائق والأحداث إذ كانت العملية تنص على التقديس بغض النظر عن الأفعال ، فكم شملت الصحبة أناسا ما زال التأريخ يذكر ما اقترفوه ، وما زالت أفعالهم مثالا للظلم ، وما ذا نصنع بما نص عليه القرآن من ذكر المنافقين ؟ وما أثبته التاريخ من أفعال ، كذلك فإن الجانب الآخر لعملية التقديس يتفق مع روح الحكام في تحجير الأفهام وتقييد حرية الفكر ، إذ فرضت العملية تلقّي ما صدر عن الذين شملتهم عملية توسيع الصحبة بالقبول ، وإن ما كان منهم ليس لأحد قدرة على أن يرقى إليه فهو في أعلى مستوى من الكمال ، مهما كانت مؤاخذات الواقع ، وناهيك بما في هذا من استهانة بنعمة العقل التي ركبها اللّه للإنسان ، ثم كان ادعاء العصمة . ليت شعري ما هذه العصمة ، أكانت في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أم بعده ؟ ! فإن كانت في حياته فما أكثر الشواهد على نفي ذلك : أخرج البيهقي بسنده عن أبي عبد اللّه الأشعري عن أبي الدرداء قال : قلت : يا رسول اللّه بلغني أنك تقول : ليرتدن أقوام بعد إيمانهم . قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أجل ولست منهم « 1 » . ومن الغريب أن البعض علل ذلك بأن المراد من هؤلاء المرتدين ، هم الذين قتلوا عثمان ، وأن أبا الدرداء مات قبل قتل عثمان ، وبهذا التأويل يتوجه الطعن على أكثر الصحابة ، فإنهم اشتركوا بقتل عثمان ، والمتخلفون عن ذلك عدد لا يتجاوز أصابع الكف . وبمقتضى هذا التأويل يدخل في قائمة الحساب عدد كثير هو أضعاف
--> ( 1 ) تاريخ ابن كثير ج 6 ص 170 .