اسد حيدر
587
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
بالزعامة ، وكانت كمدرسة جامعة تأوي إليها طلاب العلوم ، فكان عدد تلامذته ثلاثمائة من الشيعة وكثير من سائر المذاهب ، لذلك ترجم له السبكي في طبقات الشافعية « 1 » وغيره ، لأنه كان يملي على أهل المذاهب ويجيبهم عن مسائلهم لغزارة علمه وسعة اطلاعه ، فكان يفيد الأمة بعلومه ، وأملى كتابه المعروف بالأمالي على تلامذته ، يقع في مجلدين وكانت له منزلة علمية عظيمة في بغداد ، وقد جعل له خليفة عصره - القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر - كرسي الكلام والإفادة ، لأنه فاق أقرانه فتعين هو لتلك المنزلة ، ولما هبت عواصف الطائفية واشتد النزاع بين المذاهب وبين السنة والشيعة بالأخص ، وكان الموقف في الوقت على أشد ما يكون من الخصام ، ولم تزل الدولة تنضم لجانب السنة فأحرقت كتب الشيخ بأمر طغربك أول ملوك السلاجقة ، قال السبكي : وقد أحرقت كتبه - أي الشيخ الطوسي - عدة نوب بمحضر من الناس . وكذلك أمر السلجوقي بإحراق مكتبة الشيعة في محلة الكرخ ، وكانت تحتوي على أكثر من عشرة آلاف مجلد من أهم الكتب كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة كما ذكر ذلك ياقوت الحموي وغيره . وفي سنة 448 ه - نهبت داره وكبست وأخذت كتبه والكرسي الذي كان يجلس عليه للكلام فأحرقت « 2 » وهاجر الشيخ إلى النجف فقصده طلاب العلم ، فأصبحت دار هجرة لانتهال العلم ولم تزل حركتها بنشاط من ذلك العهد تقصدها وفود العالم الإسلامي لأخذ العلم والانتماء لمعهدها على ممر الدهور . فالشيخ الطوسي يعد في الواقع هو واضع الحجر الأساسي لمعهد النجف الأشرف ، وقبره فيها قريبا من المرقد المطهر . وله مؤلفات كثيرة تبلغ الخمسين مؤلفا في شتى العلوم . وأهمها التهذيب والاستبصار في الحديث . والحديث عن حياة شيخ الطائفة واسع ، وناحية البحث عنها لا يمكننا الإلمام بها في هذا العرض الموجز .
--> ( 1 ) طبقات الشافعية للسبكي ج 3 ص 51 وترجم له في الشذرات وفي البداية والنهاية لابن كثير وابن الجوزي في المنتظم وغيرهم . ( 2 ) المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173 و 179 .