اسد حيدر

558

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

بأمره حرمات حتم اللّه صونها ، وسفكت دماء فرض اللّه حقنها وزويت الأمر عن أهله ، ووضعته في غير محله « 1 » . ويقول في كتاب آخر للمنصور أيضا : أما بعد فإني اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض اللّه على خلقه ، وكان في محلة العلم نازلا ، وفي قرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قريبا ، فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد تعافاه اللّه إلى خلقه ، وكان كالذي دلى بغرور ، وأمرني أن أجرد السيف وأرفع الرحمة ، ولا أقبل المعذرة ، ولا أقيل العثرة ، ففعلت توطيدا لسلطانكم ، حتى عرفكم من كان يجهلكم ، وأطاعكم من كان عدوكم ، وأظهركم اللّه بي بعد الإخفاء والحقارة والذل ، ثم استنقذني بالتوبة . . . « 2 » . والشيء الذي يلفت النظر في هذه المراسلة هو اعتراف أبي مسلم بخطئه في تأويل الآيات التي حاول العباسيون انطباقها عليهم تمويها على الناس ، كآية التطهير التي نزلت في آل محمد دون غيرهم ، وادعى العباسيون أنهم أهل البيت الذين تنطبق عليهم هذه الآية ، وغيرها كآية المودة ، لذلك تنبه أبو مسلم لهذا الخطأ في التأويل ، وحاول أن يتدارك أمره بالتوبة ، وإرجاع الأمر لآل علي ، فراسل الإمام الصادق - كما ذكره غير واحد - بأن يدعو له ، ويرجع الأمر إليه ، ولكن الإمام رفض طلبه للأمور التي مر بيانها ، فكان ذلك أعظم شيء على المنصور وقامت قيامته حتى استطاع أن يعجل على أبي مسلم قبل اتساع الخرق ، وانتشار الأمر . وهذا هو السبب الوحيد في قتله بتلك الصورة كما قتل من قبله أبو سلمة الخلال المعروف بوزير آل محمد لأنه حاول إرجاع الأمر لآل علي فقتله السفاح غيلة . وجاء المنصور من بعده وهو اليقظ الذي أعطته المشاكل درسا ، فكان قوي السطوة عظيم البطش ، يخشى زوال ملكه ، وتتصور أمامه أيام محنته وكده ونكده ، يوم كان خائفا متخفيا يسعى في الأرض لإثارة الشعور ، وتحريك عواطف الأمة بما نال أهل البيت من الجور الأموي ، فسفكوا دماءهم ولم يراعوا بهم حرمة الدين وقرابة النسب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وكان يتوجع لمصائب الأمة ومحنها في عهدهم . فلما نال غرضه وما يقصده من وراء ذلك فكان مثالا للظلم والعدوان ، وفتح

--> ( 1 ) تاريخ بغداد ج 10 ص 208 . ( 2 ) البداية والنهاية ج 10 ص 14 .