اسد حيدر

523

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ودخل مالك هو وابن أبي ذؤيب وابن سمعان على المنصور عندما ولي الخلافة ، وكان منظر المجلس يملأ القلب رعبا ، كما يحدث مالك ويصف ما دخله من الخوف عندما نظر إلى الجلاوزة يحملون السلاح . فألقى المنصور سؤالا مشتركا ، فقال بعد كلام طويل : أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمة العدل أم من أئمة الجور ؟ قال مالك بن أنس : فقلت : يا أمير المؤمنين أنا متوسل إليك باللّه تعالى وأتشفع إليك بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبقرابتك منه إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا . قال : قد أعفاك أمير المؤمنين من هذا ، ثم التفت إلى ابن سمعان ، فقال له أيها القاضي : ناشدتك اللّه تعالى أي الرجال أنا عندك ؟ فقال ابن سمعان : أنت واللّه خير الرجال ، واللّه يا أمير المؤمنين تحج بيت اللّه الحرام وتجاهد العدو ، وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي ، وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال ، وأعدل الأمة . ثم التفت إلى ابن أبي ذؤيب « 1 » فقال له : ناشدتك اللّه أي الرجال أنا عندك ؟ قال : أنت واللّه عندي شر الرجال ، استأثرت بمال اللّه ورسوله ، وسهم ذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وأهلكت الضعيف وأتعبت القوي ، وأمسكت أموالهم ، فما حجتك غدا بين يدي اللّه ؟ فقال أبو جعفر ويحك ما تقول انظر ما أمامك ! ! قال : نعم رأيت أسيافا وإنما هو الموت ، ولا بد منه عاجله خير من آجله « 2 » وخرج آمنا لم ينله شيء . أما مالك فبقي عند المنصور . ويا ليت مالكا أجاب المنصور بجواب وسط ، لا كابن سمعان الذي خالف الحق ولا يستبعد منه ، فهو يعيش على بساط الدولة ويشغل وظيفة القضاء ، ويتمنى بقاء المنصور .

--> ( 1 ) هو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب أو ذويب العامري المدني المتوفى سنة 159 ه - . قال الواقدي ولد سنة 80 ه - ، وكان من أورع الناس وأفضلهم ، وقيل : إن المهدي حج فدخل مسجد النبي فقام الناس إلا ابن أبي ذئب ، فقيل له : قم فهذا أمير المؤمنين ، فقال : إنما يقوم الناس لرب العالمين ، فقال المهدي : دعوه فقد قامت كل شعرة على بدني . ( 2 ) الإمامة والسياسة ج 2 ص 153 .