اسد حيدر

513

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

بالإغراق والمبالغة ، حتى بلغت مغالاة أمة من الحنفية أن إمامهم أعلم من رسول اللّه وحدّث عليّ بن جرير : أن رجلين تماريا في مسألة فقال أحدهما : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فقال الآخر كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء « 1 » وهذا منتهى الإغراق في الغلو وقد مرّ قسم من ذلك في الجزء الأول . أما المالكية فإنهم أهون في تقحم الخطر على مركب الغلو من الحنفية في وضع المناقب ، وقد خلت كتبهم من التحامل والطعن على غيرهم ، على أنهم لم يخلوا من شائبة الغلو والمدح والإطراء المؤدي إلى الاضطراب ، كما أنهم أكثروا من الأطياف والرؤيا بما يعود لمالك وعلو منزلته ويحصل فيه لشخصيته امتياز عن غيره ، وتلك مبالغات مصدرها الغلو وحب الغلبة والشهرة . وإليك بعضا من مناقبه : عالم المدينة : لما كانت المدينة المنورة مهدا للعلم ومصدرا للتشريع ، فلا بد أن يكون لعلمائها منزلة دون غيرهم من علماء الأقطار ، وقد ورد حديث عالم المدينة فجعلوه ينطبق على مالك وحده ، وكأن المدينة لم ينبغ بها عالم حتى يكون مصداقا للحديث غير مالك بن أنس . فلا بد لنا أن نتكلم عن صحة الحديث وانطباقه على مالك دون غيره . أخرج الترمذي بطريق عن أبي هريرة مرفوعا : « يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة » . وجعلوا المراد به مالك بن أنس دون غيره . قال ابن أبي الحوت في أسنى المطالب : خبر ( أبي حنيفة سراج أمتي ) موضوع باطل ، ولم يرد في أحد من الأئمة نص لا صحيح ولا ضعيف كخبر : عالم قريش يملأ طباق الأرض علما ، وحمل على الشافعي ، وكذا خبر : يكاد يضرب الناس أكباد الإبل . . الحديث . سمعته من المالكية ولم أره ، وحمل على مالك ويظهر عليه التكلف . ولا حاجة بنا إلى نقل الأقوال في تفنيده ، ومع التسليم لصحة الحديث فمن البعيد حمله على مالك بن أنس . قال الخطيب البغدادي عند ذكر هذا الحديث : قال

--> ( 1 ) تاريخ بغداد ج 13 ص 413 - 414 .