اسد حيدر

498

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولا يخفى ما في هذه الخطبة من الأمور المخالفة للواقع ، وإنما استعمل هذه اللهجة وسيلة لإرضاء أنصاره ، وخشية من إنكارهم عليه ، فهو يحاول أن يحل تلك المشكلة بهذه اللهجة الباردة ، والواقع أن العلويين لم ينهضوا حبا للملك وطمعا في السيادة ، وإنما كانت مواقفهم مشرفة يدعوهم للنهوض إباؤهم للضيم ورعايتهم لمصلحة الأمة وهو ما يفرقهم عن غيرهم ، وقد أقر المنصور في هذه الخطبة بأن ما لحقهم من بني أمية كان بسبب مواقف العلويين . ويعلل ابن الساعي نهضة العلويين بقوله : إن من يمعن النظر كل الإمعان بتاريخ الإسلام يعلم علما يقينا أن كل من خرج من أهل البيت ما كان ذلك إلا عن مصيبة نابتة ، وذل إهانة ، فإن الأمويين كانوا يمنون على الموالي وصعاليك العرب بمئات الألوف من الدنانير ، ويعطونهم الاقطاع والضيعات ، ويستعملونهم على الممالك ، ويستوزرونهم ، ويقترون على الفاطميين حتى يصير الفاطمي في ضيق ومحنة شديدة ، ويرى الذين يفرطون لبني أمية ويتمسخرون لهم في مجالسهم ويشاركونهم في شرابهم وفسقهم وفجورهم ، يتقلبون بأنواع الرفاهة ، فهنالك يهز الجماعة الفاطمية شرفهم ونخوتهم ، فيخرجون لا خروجا عن الطاعة ولا نقضا لبيعة « 1 » . ولكن يقولون أرض اللّه واسعة ، فيهاجر أحدهم إلى ناحية من الأرض فيها قوم من أمة جده ، فإذا وصلهم حركتهم نخوة الدين فاحترموه وأكرموه وألفته قلوبهم واجتمعوا عليه ، فمتى بلغ خبره الأمويين قالوا خرج ورب الكعبة ، وساقوا عليه القواد والجنود ولا يزالون حتى يتركوه شهيدا . وكذلك بنو العباس . . . « 2 » . ويجب هنا أن نلحظ الفرق بين خطة الأمويين في معاملة أهل البيت وبين خطة العباسيين فإنهم يختلفون عن الأمويين . فأولئك قد جاهروا بالعداء لأهل البيت بكل ما للجهر بالعداء من طرق . ولم يتكتموا في شيء من سياستهم وهل بعد قتل الحسين عليه السّلام وسبي نسائه وإعلان سب أمير المؤمنين وجعل ذلك سنة متبعة من شيء يدعو إلى التكتم ؟ ولكن العباسيين لم يسلكوا ذلك الطريق بل تظاهروا بالولاء لآل محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، طمعا في السيطرة ، وحبا للإمرة .

--> ( 1 ) لم تكن للعباسيين بيعة في رقاب العلويين فإنهم لم يعترفوا بولايتهم ولم يلزموا بالبيعة لهم وعلى هذا ساروا وتبعهم أنصارهم . ( 2 ) تاريخ ابن الساعي ص 36 .