اسد حيدر

496

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وعلى أي حال فإن المنصور كان يهتم بأمر العلويين عامة ، وبجعفر بن محمد خاصة ، لأن شبح الثورة يلوح على الدوام في مخيلته ، فهو يقض ولا يقر له حال ، ويبذل كل ما في وسعه لتحصيل غايته . سياسة المنصور تجاه العلويين : اقتضت سياسة المنصور أن يعامل العلويين معاملة قاسية ، لم يشهد التاريخ مثلها ، لأنه يعلم ويعلم كل أحد أن الأمة ترى أهلية أهل البيت للخلافة ، وهم أولى بالأمر من غيرهم ، لقربهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نسبا ، ولما اتصفوا به من المؤهلات لذلك من وفور العلم والتمسك بالدين ، وقد برهنوا على عدلهم في الحكم . وقد كان العباسيون والعلويون من قبل يجمعهم السخط على أعمال الأمويين كما ملأ سمع الدنيا انتصار العباسيين لأبناء عمهم ، فقد أظهروا للناس التودد لأهل البيت ، وكانوا يتفجعون لما نالهم من الأمويين ، ويمسحون دموعهم المصطنعة بتلك الأيدي التي خضبوها من دمائهم فيما بعد ، وكانوا يظهرون للناس إنكارهم الشديد على الأمويين لأعمالهم السيئة ، وما قابلوا به أهل البيت بقلوب لا عهد لها بالرحمة ، كما أوضحوا ذلك في كثير من مواقفهم وأقوالهم ، وقد قطعوا على أنفسهم عهدا في نصرة آل محمد . ولما تم الأمر ونالوا غايتهم ونجحت خططهم التي دبروها في استغلال تلك الفرصة ، وتم لهم ما أرادوا نراهم يذيقون العلويين أنواع الأذى وضروب المحن ، وعاملوهم أعظم مما كان الأمويون يعاملونهم به . فقد كان المنصور يطارد العلويين ويضيق عليهم الدنيا ، ويذيقهم أنواع العذاب ، ولنا بما فعله مع أسرائهم منهم كفاية على عظيم ما كان يتحمله من الغيظ والحقد . فقد جمع منهم جماعة في الربذة وأثقلهم بالحديد ، وضربهم بالسياط ، حتى اختلطت بدمائهم ولحومهم ، ثم حملهم إلى العراق على أخشن مركب وتوجه بهم إلى الكوفة ، فكانت خاتمة مطافهم ذلك السجن الضيق الذي لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وسلط عليهم شرطة ابتعدوا عن الرقة كابتعاده عن الإنسانية فقد عذبوهم بأمره . كما أنه أمر أن تترك أجساد الموتى منهم في السجن . فاشتدت رائحة الجثث على الأحياء ، فكان الواحد منهم يخر ميتا إلى جنب أخيه . ولما قتل إبراهيم بن عبد اللّه أرسل برأسه إلى أبيه مع الربيع وهو في السجن ،