اسد حيدر
45
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
صور معارضة العباسيين على أن أهم ما كان يثير القلق في نفس المنصور هو أمر العلويين ، وفي طليعتهم جعفر بن محمد الصادق ( ع ) فكان يحذر منه أشد الحذر ويحاول زوال تلك العقبات بكل حيلة ولا يقف عند حد . والمنصور عندما يلي الخلافة يرجع بتفكيره إلى الوراء ويتذكر سالف أيامه وماضيه المحزن ، يوم كان جوالا ، تتقاذفه أمواج الخوف ، وتسوقه الحاجة وطلب العيش إلى رواية الحديث ، وهو لا ينسى ضرب السياط وظلمة السجن في عهد الدولة الأموية ، ولا ينسى استعطاف الناس بمدح آل محمد ، وهو أحد رواة حديث الغدير « 1 » كل ذلك لا تنمحي صورته عن مخيلته فهو أمامه ومعه . أعمال المنصور : والآن وقد أصبح أمير المؤمنين تجبى له الأموال من الشرق والغرب وأودع في خزائنه ما يكفي للدولة عشر سنين بعد أن كان لا يجد درهما واحدا وتحوط به آلاف من الجنود ، بعد أن كان يقطع المسافة البعيدة وحده خائفا فهو بحكم الغريزة النفسية يشح بما أوتي حتى على نفسه ، فكان يرقع ثيابه بيده ويحاسب على الدانق ، حتى عرف به ، ويكون في حذر من أقل واهمة يتخيل بها زوال ملكه ، فحصنه بالسيف ، وجعل بينه وبين الخطر سورا من أشلاء الأبرياء وبحرا من الدماء التي حرم اللّه إراقتها . وقد اتخذ طبيبا نصرانيا يستعين به على قتل من لا يود أن يتظاهر في قتله ، فكان يدس السم بالدواء ، فهذا الطبيب النصراني ( كان زنديقا معطلا ) لا يبالي بمن قتل ، أرسل إليه المنصور يأمره بأن يقتل محمد بن أبي العباس . فاتخذ سما قاتلا ثم انتظر علة تحدث به ، فوجد محمد حرارة فقال له الطبيب : خذ شربة دواء ، فقال هيئها فهيأها له وجعل فيها ذلك السم ثم سقاه منها . فكتبت أمه تخبر المنصور فأمر بضرب الطبيب ثلاثين سوطا خفيفة وسجنه ثم أطلقه وأعطاه ثلاثمائة درهم « 2 » . . هذه دية القتيل في شرع المنصور . وهناك نوع آخر من ألوان العذاب الذي كان يعذب بها من وقع تحت قبضته ، وهو وضع الأحياء في البناء ، فهو اطلال الهاشمية وبغداد لو تمكنت من الإفصاح عن
--> ( 1 ) تاريخ بغداد ج 12 ص 344 . ( 2 ) الطبري ج 7 ص 309 .