اسد حيدر

390

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولنا في تعاليم الإمام الصادق وحكمياته - التي كان يلقيها على تلك المجموعة الوافرة من الناس في مدرسته - كفاية على إيضاح فوائد الحب في اللّه ومضار الكراهة ، فكان ينصح المسلمين ويحذرهم عاقبة التباعد والبغضاء ، ولم يقتصر على القول في هدم عوامل الفرقة ، بل كان يسعى لذلك من طرق مختلفة ، حتى أنه أقام بعض أصحابه وأمرهم أن يصلحوا المتخاصمين على شيء من حطام الدنيا من ماله الخاص . يحدثنا أبو حنيفة سابق الحاج - واسمه سعيد بن بيان - قال : مر بنا المفضل بن عمر وأنا وختن لي نتشاجر في ميراث ، فوقف علينا ساعة ، ثم قال لنا : تعالوا إلى المنزل ، فأتيناه ، فأصلح بيننا بأربعمائة درهم ، فدفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا من صاحبه ، قال : أما إنها ليست من مالي ، ولكن أبا عبد اللّه الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أصلح بينهما وافتديهما من ماله ، فهذا مال أبي عبد اللّه « 1 » . سياسته تجاه الظلم والظالمين : لقد تسالمت العقول واتفقت آراء العقلاء على قبح الظلم ، فهو من أعظم الرذائل ، كما أنهم لم يجمعوا على تقدير فضيلة كإجماعهم على تقدير فضيلة العدل الذي هو أصل كل خير ، والقلب النابض لجميع الفضائل ، ولا يخرج شيء من الفضائل عنه . فهو أسمى هدف يسعى الإسلام لتحقيقه ، ويأبى أن تهدمه رذيلة حب السلطة والتغلب . وكان الإمام الصادق عليه السّلام ينهى عن الظلم ويحارب الظالمين ، ويأمر بالابتعاد عنهم وعدم التعاون معهم ، وأقواله في ذلك كثيرة ، فأصبحت نورا تهتدي به النفوس ، ويتردد ذكرها على ألسنة العلماء من أقدم العصور ، وجاء ذكرها في أمهات الكتب ، فهي نور ساطع في أفق العقلية البشرية ، وقد سن قواعد مشروعة لمقاومة الظالمين ، وهي خير وسيلة لتقويض كيان الظلم ومحو دعائمه . وكان أهل البيت يعظمون على الإنسان ارتكاب العدوان على الغير والظلم للناس ، فقد جاء عن إمام أهل العدل أمير المؤمنين عليه السلام : « واللّه لئن أبيت على

--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 209 .