اسد حيدر

374

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

فينشده الشعراء رثاء جده الحسين فيها فيبكي ، فهي تمثل له في كل آونة . فيتوجع لها قلبه ، ولكنه يركن إلى الصبر . وكذلك حديث يوم الحرة وحديثها شجون ، فلا تزال آثار تلك الفاجعة باقية وإن طال العهد ، وشاهد أولئك الحكام الذين يحكمون باسم الخلافة الإسلامية وما هم منها بشيء ، فلا عدل في حكم ، ولا مساواة في حق ، ولا نظام يضم للناس حرياتهم ، والأمور إلى الفوضى أقرب منها إلى النظام . عاش الإمام عليه السّلام وسط ذلك الجو المضطرب بالفوضى والعبث والفساد والتلاعب بمقدرات الأمة ، وهو عليه السّلام يحس بآلام الناس أكثر من غيره ، فما ذا يصنع وقد طوقه الأمويون برقابة شديدة ، وضربوا حوله دائرة ضيقة ليحصروا نفوذه فيها . ورغم ذلك كله راح عليه السّلام يؤدي رسالته ليعالج إصلاح الوضع من طريق الهداية والإرشاد ونشر تعاليم الإسلام ، وإفهام الناس تلك النظم التي أهملها حكام عصره وجعلوها وراء ظهورهم ، وحكموا بلغة السيف وساسوا الأمة بالإرهاب والقسوة . ولم يستجب عليه السّلام للدعوات التي تتوالى عليه - عندما أعلنت الثورة على الأمويين - ليقود الثورة ويتقدم الركب ، لأنه على علم من نتائج تلك الحركات وهو أعرف بنفسيات زعماء الثورة وقادة الجيوش ، وهم إن ادعوا الولاء لآل محمد والانتصار لهم ، وطلب البيعة إلى الرضا منهم ، ولكن هناك غايات في نفوس القوم لا تتحقق إلا بهذه الادعاءات ، فرفض عليه السّلام تلك الطلبات الموجهة إليه لعلمه بما وراء الأكمة من الخطر . ولقد ابتعد عليه السّلام عن ذلك المعترك وبذل لأبناء عمه النصح بأن لا يزجوا أنفسهم في ذلك الصراع ، وحذرهم عاقبة الأمر التي لا تعود عليهم إلا بالخيبة ولا يتحقق لهم هدف ما دام الوقت لم يأت ، والدخول في أمر قبل أن يستحكم مفسدة له ، وإن إعلان الثورة في ذلك الوقت لا يجدي نفعا بل يؤدي إلى مزيد من التضحيات واتساع شقة الخلاف والفرقة ، وهو يعرف نوايا العباسيين وما يطلبونه من وراء انضمامهم إلى جانب العلويين .