اسد حيدر

332

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

بإذن صاحب المذهب . إذ لا شك أنه لو علم بضعف دليله لرجع عنه واتبع الدليل الأقوى » « 1 » . وهذا قول لا محل له ، فلو كان الأمر كذلك فإن كل فتوى تصدر عن صحة الحديث من أي عالم كان ومن أي مذهب هو . يلزم نسبتها إلى مذهب أبي حنيفة . ولعلهم يرون ذلك فجعلوه أعلم الأمة على الإطلاق ، بل أفضل التابعين وأعلمهم من هذا الباب ، والغرض أن الوصول إلى معرفة قول أبي حنيفة ومذهبه الخاص متعسر جدا . والذي بين أيدينا إنما هو مجموع الأقوال منه ومن أصحابه وتلامذتهم الذين أخذوا عنهم ، فلا يمكن استخلاص أقواله منفردة لتكون منها وحدة فكرية خالصة له من كل الوجوه من غير اقتران أقوال أصحابه بأقواله ؛ فإن محمد بن الحسن جمع أقوال فقهاء العراق ولم يجمع أقوال أبي حنيفة وحده ، ولم يفصل آراءه عن آراء غيره من أصحابه ومعاصريه ، بل ألقى بالفروع والحلول ما بين متفق عليه ومختلف فيه ، فجاءت الأجيال وتوارثت تلك المجموعة الفقهية التي تجمع أقوال فقهاء العراق في الجملة ، وأقوال أبي حنيفة وأصحابه وتلاميذه خاصة . وقد نهج منها ذلك المنهج غير محمد ممن روى فقه أبي حنيفة وهكذا نجد الرواية لآراء أبي حنيفة تذكر مخلوطة بالرواية عن غيره وممزوجة بها . وعلى ذلك النهج تدارس من العلماء تلك الآراء وسموها المذهب الحنفي ، واختاروا للنسبة اسم كبير أولئك الأئمة وشيخهم - وهو أبو حنيفة - ومن التهجم على الحقائق سلبهم شخصيتهم لتفنى في شخصية الإمام « 2 » . والخلاصة أن المذهب الحنفي اتسع بجهود أصحابه ونشرهم له إذ وسعوا دائرته بالبحث والتأليف ، وأن علم أبي حنيفة لا يكاد يعرف لعدم انفراده عن أصحابه ، فالموازنة بينه وبين غيره لا تحصل إلا إذا اتجهنا إلى الموازنة بين علماء المذاهب وبين مجموع مؤسسي المذهب الحنفي ، الذين كونوا مجموعة فقهية مزيجة بأقوال فقهاء العراق وأقوالهم ، وهذا أمر لا يمكن ، ومحاولة الحنفية بإرجاع الجميع إليه أمر غير وجيه ، وسيتضح الأمر عند البحث عن آراء أبي حنيفة وأقواله ، وما ذهب إليه أصحابه في خلافه .

--> ( 1 ) أبو حنيفة لمحمد أبو زهرة ص 441 - 451 . ( 2 ) أبو حنيفة لمحمد أبو زهرة ص 435 .