اسد حيدر

328

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

هؤلاء تلامذة أبي حنيفة الذين نشروا فقهه ونقلوا آراءه ، وأول من دون منهم ، هو القاضي أبو يوسف ، ومن بعده محمد بن الحسن مولى بني شيبان ، وكتبه تعد المرجع الأول لفقه أبي حنيفة ، وقد أخذه عن أبي يوسف ، لأنه أدرك أبا حنيفة وعمره لم يسمح له بنقل فقهه ، ولكنه روى ذلك عن أبي يوسف ، فتراه يذكر في كتابه « الجامع الصغير » في أول كل فصل روايته عنه ، ولم يذكره في « الجامع الكبير » ، وقد ذكر ابن نجيم في البحر في باب التشهد أن كل تأليف لمحمد بن الحسن موصوف بالصغير فهو باتفاق الشيخين أبي يوسف ومحمد ، بخلاف الكبير فإنه لم يعرض على أبي يوسف . ولقد كان أبو يوسف ومحمد وغيرهم من تلامذة أبي حنيفة مستقلين في تفكيرهم كل الاستقلال ، غير مقلدين لشيخهم ، بأي نواحي من نواحي التفكير ، وكونهم درسوا آراءه أو تلقوه عليه وتثقفوا في أول دراستهم عليه لا يمنع استقلال تفكيرهم ، وحرية اجتهادهم ، وإلا كان كل من يتلقن على شخص لا بد أن يكون مقلدا له ، وتنتهي القضية لا محالة إلى أن تنزل درجة أبي حنيفة عن الاجتهاد ، ويكون مقلدا لشيخه حماد بن أبي سليمان لأنه درس عنده ، وكان كثير التخريج عليه ، وخالفه أحيانا ووافقه أحيانا . وكذلك كان أصحاب أبي حنيفة . فقد درسوا فقهه . وتلقوا عليه فوافقوه في بعضها وخالفوه في كثير من الآراء والأقوال ، وما كانت الموافقة عن تقليد بل عن اقتناع واستدلال وتصديق للدليل . وليس ذلك من شأن المقلد فإن لهم آراؤهم الخاصة ولكنهم الطريق إلى نقل أقوال أبي حنيفة . وتجد كتب الحنيفة تورد أقوال الأربعة ، وربما يكون لمسألة واحدة أربعة أقوال لأبي حنيفة قول ، ولأبي يوسف قول ، ولمحمد قول ، ولزفر قول ، حسب ما يظهر لهم من الآثار والمعاني « 1 » . يقول العلامة الخضري : وقد حاول بعض الحنفية أن يجعل أقوالهم المختلفة أقوالا للإمام رجع عنها ، ولكن هذه غفلة شديدة عن تاريخ هؤلاء الأئمة ، بل عما ذكر في كتبهم ، فإن أبا يوسف يحكي في « كتاب الخراج » رأي أبي حنيفة ، ثم يذكر رأيه

--> ( 1 ) ضحى الإسلام ج 2 ص 200 .