اسد حيدر
310
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
هذا وإن أبوا إلا تصحيح هذه المناقب فاللّه قادر على كل شيء ، ولا يستبعد أن يكون المد والجزر في الأعمار كما هو في البحار . ولنكتف بما ذكرناه ، ولا نتعرض لتلك الادعاءات الكاذبة فقد ادعوا أن التوراة بشرت به ، وأن صفته مكتوبة فيها ، وأن اللّه ناداه : يا أبا حنيفة إني قد غفرت لك ولمن هو على مذهبك إلى يوم القيامة ، وأن النبي غبط داود لأن في أمته لقمان فبشره جبرائيل بأبي حنيفة ، وأن حكمته أعظم من حكمة لقمان ، وأن الخضر درس عليه خمس سنين في حياته وأكمل دراسته عليه وهو في قبره ، إلى كثير من تلك السفاسف وهي من الأمور التي لا تحتاج إلى مناقشة ، وإنما هي وليدة عصر احتدام التعصب للمذاهب ، فذهب كل إلى تكوين شخصية إمامه طبقا لأهدافه ، وقد ألفوا كتبا طافحة بالثناء الأجوف والمدح الكاذب . وقد كان جماعة يضعون الأحاديث والمناقب لنصرة مذهب أبي حنيفة أمثال أحمد الحماني المتوفى سنة 302 ه - وأسد بن عمر البجلي القاضي المتوفى سنة 190 ه - ، واباء بن جعفر الكذاب المعروف ، وقد حرفه بعضهم عند نقله عنه بابان ليخفي حاله ، وقد خرجوا في أبي حنيفة أحاديث لا أصل لها « 1 » وقد وضع أباء عليه أكثر من ثلاثمائة حديث ، وذكر أكثرها الحارثي في مسند أبي حنيفة ؛ وغير هؤلاء كثير لا يسع الوقت لذكرهم ممن دعتهم عصبيتهم إلى تكوين شخصية أبي حنيفة طبقا لرغباتهم ، ومعاكسة للوجدان ومخالفة للحق ، وبذلك صعب الوصول إلى معرفة شخصية أبي حنيفة . فلنترك مناقشة تلك المناقب فإنا لا نتعرض إلا لما له أهمية في الموضوع . فمن ذلك قولهم : إن أبا حنيفة سمع جماعة من الصحابة ودونوا له أحاديث ذكرت في مسانيده فلننظر لصحة هذه الدعوى . سماعه من الصحابة : حاول البعض أن يجعل أبا حنيفة من التابعين بل قال بعضهم إنه سيدهم ، والتابعي هو الذي عاصر الصحابة وسمع منهم ، وقالوا : إن أبا حنيفة عاصر جماعة من الصحابة وروى عنهم ومجموع ما رواه خمسون حديثا .
--> ( 1 ) تهذيب التهذيب ج 1 ص 449 .