اسد حيدر

299

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

يقول الأستاذ السيد عفيفي عند ذكره لوالد أبي حنيفة : هو ثابت بن النعمان بن المرزبان ، وكان ثابت هذا يرجع إلى دين وعقل ومروءة ، تصدر عن جد ، فقد روي أنه كان في شبابه ورعا زاهدا ، وكان يوما يتوضأ من جدول فجاءت تفاحة في الماء فأمسكها وأكلها بعد الفراغ من الوضوء ، ثم بصق فرأى بصاقه دما فقال في نفسه : لعل ما أكلته حرام ، وإلا لما تغير بصاقي فتبع رأس الجدول ، فوجد شجرة تفاحها مثل ما أكل ، فطلب صاحبها وقص عليه القصة وأعطاه درهما وقال : اجعلها في حل ، فلما رأى صاحب التفاحة ورعه وصلابته في دينه أحبه ، وقال لا أرضى بدرهم ولا بألف درهم ولا بأكثر . فقال ثابت : فبم ترضى ؟ قال إن لي ابنة لا ترى ولا تنطق ، ولا تسمع ولا تمشي ، فإن تزوجتها أجعلها في حل ، وإلا أخاصمك يوم السؤال والحساب . فلبث ثابت في التفكر ساعة ، ثم قال في نفسه : عذاب الدنيا أسهل وينقضي ، وعذاب الآخرة أشد وأبقى ، وتزوج بها فلما دخل عليها تقبلته بقبول حسن ، فاشتبه على ثابت الأمر ، لأنه وجدها حسناء سميعة بصيرة ناطقة ، فقالت له : أنا زوجتك بنت فلان . قال : وجدتك على خلاف ما وصفك أبوك ، قالت : نعم فإني كنت من سنين لم أطأ خارج البيت ، ولم أنظر الأجانب ولم أسمع كلامهم ولم يسمعوا كلامي ، فعرف ثابت الحال وقال : الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي أَذْهَب عَنَّا الْحَزَن إِن رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [ فاطر : 34 ] . يقص علينا الأستاذ المحامي هذه القصة غير ملتفت إلى المؤاخذات التي يؤاخذ بها بصفته مثقفا من أبناء القرن العشرين ويتولى مهنة المحاماة الشرعية . فيعلق عليها بقوله : هيهات لا يأتي الزمان بمثل ثابت ، ولا بمثل صاحبته فلا عجب أن يتولد منهما ولد في صورة الإنسان وسيرة الملك ، ويحيي اللّه به دينه القويم ، ويشيع مذهبه في الأقطار ، وعلمه في الأمصار ويقول : من هذا الوالد الورع الزاهد ، وهذه الأم الطاهرة ، ولد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان في مدينة الكوفة في سنة 80 من الهجرة النبوية في عصر الدولة الأموية في خلافة عبد الملك بن مروان . ويقول بعد ذلك إن اسمه النعمان وهو منقول من اسم جنس وقيل إنه الدم وقيل إنه الروح ، فيكون اتفاقا حسنا لأن أبا حنيفة روح الفقه وقوامه ومنه منشأه ونظامه .