اسد حيدر
267
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
مقاومتهم من كل الجهات ، وفصلهم عن المجتمع الإسلامي بالطعن في عقائدهم مرة ، وبالخروج على الجماعة مرة أخرى . فوجهوا إليهم التهم ، وتقولوا الأقاويل التي لا نصيب لها من الصحة ، ولاحظ لها من الحقيقة ، وإنما هي اتهامات كاذبة وافتراءات محضة تمكنت من قلوب السذج فأصبحت كالأمر الواقع ، لكثرة العوامل التي دعت إلى تركيز تلك المفتريات في أذهان الناس ، وتجنيد السلطة لإشاعتها أقوى الطاقات . وأنت إذا نظرت بعين البصيرة تجد تلك المؤاخذات والاتهامات التي رميت بها الشيعة غير محدودة بحد ، بل تتسع باتساع غرض السلطة الحاكمة التي لعبت دورها في مقاومة الشيعة على ممر أدوار التاريخ ، فيبرز في فترة ضرب معين وفي أخرى بشكل مغاير . وسارت الأمور على ذلك الشكل الذي قضى على حرية التفكير في فهم الأمور ، وأن لا يكون إلا ما تراه السلطة وما تتمسك به . يدخل الإمام مالك بن أنس على أبي جعفر المنصور ، فيوجه إليه سؤالا : من أفضل الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ؟ وهنا يقف مالك موقف الحيرة عندما يريد أن يعبر عن رأيه الصحيح ، فربما يخالف رأي المنصور فيكون عرضة للنقمة ، كما نقم منه من قبل لمخالفته في فتوى طلاق المكره . ولكنه درس نفسية المنصور وعرف أغراضه المكنونة ، فأجابه : أبو بكر ، وعمر ، فقال المنصور : أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين . وبالطبع ان رأيه محترم والرعية تابعة له فلا يمكن لأحد مخالفته ، ومن ذهب إلى غير هذا فإنما يعرض نفسه للسخط ويصبح في قائمة المتهمين لمعارضة الدولة ، وناهيك بما وراء ذلك من بلاء ومحن ، ويمكننا أن نعتبر مسألة التفضيل بين الخلفاء بدعة سياسية ، ودعاية من دعايات التفرقة منذ أول نشوئها في البيئات الأموية في الشام ، وفي غير الشام ، ومن المعلوم عند الراسخين في دراسة التاريخ أن مسألة التفضيل بين الخلفاء إنما كانت بهذا الشكل الحتمي لا من حيث الواقع ، وإلا لو ترك الأمر بدون تدخل السلطة فيه لما كانت المسألة من المسائل المشكلة التي ابتليت بها