اسد حيدر

238

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وذهبت تلك المحاولات فاشلة ، ولم يزل المذهب الجعفري يتسع في الأقطار وينتشر في العواصم ، وكثر أتباعه رغم تلك المحاولات والخطط التي خطها المنصور ومن بعده المهدي والهادي والرشيد . وقد بذل الرشيد كل ما في وسعه لتحويل أنظار الناس عن آل محمد ، وأظهر تعظيم مالك بن أنس ، فكان يجلس بين يديه تأدبا يتعلم منه العلم ، ويأمر أولاده وخواصه باحترامه . وكان يقرب الفقهاء وينظر إلى الشافعي نظر عطف وحنان لأنه قرشي ، وأرسله إلى مصر صحبة الوالي ، وأمره باحترامه وإكرامه ، وتقريب أصحابه وأعطاه سهم ذي القربى . فيما عامل أهل البيت بالشدة والقسوة ، من تتبع أنصارهم ، والقضاء على من اتهمه في موالاتهم ، حتى ثقل عليه أن يكون علي بن أبي طالب عليه السّلام رابع الخلفاء ، فحاول أن ينفي ذلك ويعاقب من يثبته . قال أبو معاوية : دخلت على هارون الرشيد فقال لي : يا أبا معاوية هممت بمن أثبت خلافة عليّ فعلت به وفعلت . قال أبو معاوية : فسكت فقال لي : تكلم . قلت : إن أذنت لي تكلمت . قال : تكلم . فقلت : يا أمير المؤمنين ، قالت تيم : منا خليفة رسول اللّه . وقالت عدي : منا خليفة رسول اللّه . وقالت بنو أمية : منا خليفة الخلفاء ، فأين حظكم يا بني هاشم من الخلافة ؟ واللّه ما حظكم إلا ابن أبي طالب « 1 » وبهذا استطاع أبو معاوية أن يصرف الرشيد عن رأيه . واستعمل في معاملة أهل البيت ما لا يستعمله أحد وفيه صبابة من الرحمة ، لقد سجن الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام وهو عالم عصره ، ومن له السلطة الروحية وضيق عليه حتى قتله بالسم ، وبذلك أنزل بالمسلمين خسارة فادحة إذ لم يتهيأ لهم الاتصال بالإمام والأخذ من علومه وآرائه إلا في مدة قليلة ، وتتبع بقية أهل البيت وشيعتهم ، وطلبهم تحت كل حجر ومدر ، وكان بحكم السياسة العمياء التي لا تعرف إلا غايتها ، ولا تفرق بين الحق والباطل ، ولا ترى سوى السيطرة على الناس بأي

--> ( 1 ) تاريخ بغداد ج 5 ص 244 .