اسد حيدر

195

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ولقد لقي بقي بن مخلد من الأذى وشدة الإنكار لدعوى الاجتهاد ما جعله مهجور الفناء ، مهتضم الجانب ، وكثير من أمثاله ، أما ابن تيمية وابن قيم الجوزية فإنهما بلغا في آرائهما حدودا كان ينبغي الامتناع عن تجاوزها فمهما أحسن المرء الظن فإنها اجتراء على مقام الرسول محمد ونيل من آل بيته الأطهار رويت للفرقة ومؤداها الجمود ، فما لقياه كان عملا اقتضته طريقة خوضهما في الاجتهاد ، ولو أحسنا الفهم والاختيار لكانا في قافلة المنافحين عن الحق والداعين إلى حرية الرأي . ولست أدري ما هذه الاستحالة وعدم الإمكان من حصول درجة الاجتهاد والحكم على الرجال بالقصور والنقص وحصر الكمال في عدد معين بدون دليل ؟ ولا بد من تعريف الاجتهاد والتقليد عندهم إجمالا لنرى مدى تحجير الأفكار ووقوف العقل عن إدراك ذلك . الاجتهاد : الاجتهاد لغة : هو بذل الوسع في ما فيه كلفة ، مأخوذ - كما نقل ابن أبي زرعة عن الماوردي - من جهاد النفس وكدها في طلب المراد ، وفي الاصطلاح على ما في جمع الجوامع : استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم ، والفقيه والمجتهد لفظان مترادفان وهو البالغ العاقل ، أي ذو ملكة يدرك بها العلوم وهذه الملكة العقل . كما عرّفوا الاجتهاد أيضا بأنه استنفاذ الجهد بالنظر في المآخذ الشرعية ، لتحصيل علم أو ظن بحكم شرعي . قال أبو إسحاق : ومن كان موصوفا بالبلادة والعجز عن التصرف فليس من أهل الاجتهاد ، وفي إنكاره للقياس خلاف ، وأن يكون عارفا بالدليل العقلي وهو البراءة الأصلية ، وأن يكون عارفا بلغة العرب وبالعربية وعلم النحو إعرابا وتصريفا ، وبأصول الفقه ليقوى على معرفة الأدلة وكيفية الاستنباط وبالبلاغة ليتمكن من الاستنباط بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة وأن يكون عارفا بالكتاب والسنة ولا يعتبر العلم بجميعها ولا حفظها . قال العلامة السبكي : المجتهد من هذه العلوم من له ملكة وإحاطة بمعظم قواعد الشرع ، ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع ، ويعتبر على ما قيل كونه خبيرا بمواقع الاجتماع كيلا يخرقه ، والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وشرط