اسد حيدر
180
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ولم ينل المذهب الحنبلي قوة أنصار ورجال دعوة إلا في البلاد النجدية ، فقد ساعده الزمن وكتب له البقاء على يد محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب الوهابي ، وإن كان مذهب أحمد وشهرته اندكت إلى جانب شهرة الوهابي ومذهبه ، ولا ينكر ما لابن تيمية وتلميذه ابن قيّم الجوزية من الفضل في انتشار المذهب ونشاطه ، وهما في الحقيقة أبطال دعوته وعنهم أخذ ابن الوهاب تعاليم مذهبه الجديد ، ومع ذلك فإن معتنقي هذا المذهب هم اليوم أقل عددا بالنسبة إلى معتنقي المذاهب الأخرى في العالم الإسلامي . السلطة وانتشار المذاهب : وبهذه الأسباب وعوامل الترغيب التي اتخذها أولئك الأمراء وذوو النفوذ والسلطة أخذت هذه المذاهب بين العامة في الصيت والشهرة ، ما جعلهم متزاحمين على اعتناقها بدون تمييز وحرية في الرأي ، وظلت حقيقتها غامضة إذ لا يمكن استكشافها . فالخضوع للسلطان أمر لا مفر منه ، وكان عدم تدخل الحكومة في مثل هذه الأمور أعود على الأمة ، وأصلح لدينها ودنياها فتدخلها فيه قد جر الأمة إلى منافسات وعصبية أعقبتها فتن ذهبت ضحيتها نفوس بريئة تدين للّه بالوحدانية ولمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالنبوة ، وقد أدت الخلافات إلى فرقة وتباعد مما كدر صفو الأمة ورماها بالشتات بعد الألفة ، وبالعداء بعد الأخوة . وعلى هذا المنوال أستطيع أن أسير في التدليل على ما في هذا الالتزام من النقص وقد سارت عليه جماهير من المسلمين بدون دليل ولا برهان ، فوقوف التشريع الإسلامي وانحصاره بأقوال الأربعة إنما هو تحجير للفكر ، وجمود للتشريع لأغراض تعود بالنفع على الطبقة الحاكمة ، الذين يريدون أن يطبعوا أعمالهم بطابع الدين وما هم من الدين في شيء إذ لا هم لهم إلا حفظ ملكهم وقضاء مآربهم ، على أن الأئمة الأربعة أنفسهم لا يعرفون هذا ويفتون بضده ، فأقوالهم تدل على عدم الالتزام بقول أحد ، هذا مالك بن أنس يقول : « إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة » ويقول أبو حنيفة : « هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت فمن جاء برأي خلافه قبلناه » . ويقول الشافعي : « إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط » ويقول أحمد : « من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال » وقال : « لا تقلد