اسد حيدر

18

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

نعم لو أردنا أن ننصف المؤلف فيما أطرف به مكتبة التاريخ ، وفيما أطرف به مكتبة الفقه لاستوعب منا ذلك قرابة المجلد الكامل . ولكننا نكتفي من هذا القدر العظيم بالإشارة السريعة التي ترسم بعض معالم هذه الصورة العلمية عن الإمام الصادق ، معبرين فيها عن مشاعرنا إزاء هذا النهج القويم الذي سلكه المؤلف في سفره الضخم . ولعل أروع ما يستوقف النظر ويطمئن الناقد على ما بلغه المؤلف من توفيق في هذا الكتاب إرساؤه القواعد في مشكلة الخلافة التي أشرت إليها آنفا . وأنا - في هذا الصدد - أوافق المؤلف أن المشكلة بدأت في خلافة عثمان حين انتهز بنو أبيه خلافته فعبثوا بمصائر البلدان الإسلامية . ولكني كنت أود أن يبدأ حديث الخلافة ومشكلتها في الصورة الجذرية التي بدأت بانتقال الرسول صلوات اللّه عليه إلى الرفيق الأعلى . وقد أنصف المؤلف تاريخ الإمام « عليّ » حين صور المشاكل التي كانت تحيط خلافته من خروج أم المؤمنين « عائشة » إلى مؤامرات « معاوية » وعبثه بشخصيتين كبيرتين هما : « طلحة » و « الزبير » حين بايعهما لا لذاتهما ولا لسبقهما في الإسلام ولكن ليجعل منهما جسرا لمعارضته وموضوعا لبث أهوائه الشخصية ، إلى غير ذلك من المطالبة بدم عثمان وعليّ بريء من هذا الدم . وقد كانت هذه المشاكل من الكثرة بالقدر الذي استعصى على فلاسفة التاريخ من عرب ومستشرقين ، فأخطئوا فهم شخصية « الإمام علي » ونزعوا عنه صفة السياسة واكتفوا بوصفه بالورع والزهد . ولكن اجتهاد الإمام عليه السّلام ونزوعه الشديد إلى منهج التوفيق بين الورع في الدين والصراحة في السياسة كان فوق مدارك هؤلاء المؤرخين . وكم كنت أود أن يشير مؤرخنا البارع إلى مهاترات المستشرقين وضحالة تفكيرهم في إدراك معنى « التكامل النفسي » - كما أسميه - في شخصية « الإمام علي » ، وهو القدر الذي أخطأ فيه « جولدتسيهر » وغيره . ونحن نرى أن انتصار معاوية على الإمام إنما هو صورة من صور الثأر والتآمر التي نزع إليها الشرك بعد أن غلبه الإسلام ، فهي على حد تعبيرنا قصاص المتمسلمين وأدعياء الإسلام من المسلمين المؤمنين حقا وهم الذين قتلوا آباءهم وأجدادهم من أجل الحق وإعلاء كلمة الإسلام . ولا أحب أن أطيل في التعليق على هذا الكتاب القيم الذي أعتبره دائرة معارف عامة وموسوعة قيمة في تاريخ المذهب الجعفري والمذاهب الفقهية لا غنى للباحثين