اسد حيدر
176
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
بأحواله الخاصة فأصابه من جبرية الحاكم شيء سنأتي على تفاصيله حسب البحث إنشاء اللّه . ومهما يكن من أمر فقد أسعده الحظ فكان له شأن ولمذهبه قبول ولكتابه منزلة حتى قالوا : ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب اللّه أصح من كتاب مالك . وفي لفظ آخر ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك . وكان انتشار مذهبه على أيدي القضاة والملوك ، وقد انتشر بالأندلس بسبب حمل ملك الأندلس الناس عليه بالقهر ، لما بلغه كلام من مالك في مدحه عندما سأل عن سيرة الملك في الأندلس فذكر له عنها ما أعجبه فقال : نسأل اللّه تعالى أن يزين حرمنا بملككم . فلما بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه ، وترك مذهب الأوزاعي وهذا من أقوى عوامل الانتشار ودواعي الظهور والسمعة ، وإقبال الناس عليه اتباعا للسلطان وخضوعا للسلطة بدون تمييز لما هو الأرجح والأولى . وقد نشر مذهب مالك في إفريقيا القاضي سحنون ، ويقول المقريزي : ولما ولي المعز باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه فرجع أهل إفريقيا وأهل الأندلس كلهم إلى مذهبه ، رغبة فيما عند السلطان ، وحرصا على طلب الدنيا إذ كان القضاء والإفتاء في جميع تلك المدن لا يكون إلا لمن تسمى بمذهب مالك ، فاضطرت العامة إلى أحكامهم وفتاواهم ففشى هذا المذهب هناك وحظي بالقبول لا بحسب مؤهلاته ومقوماته الروحية ، وإنما سار على حسب نظام القوة التي خضع الناس لها بدون تبصر ، كما أن انتشاره بالمغرب الأقصى هو كذلك رغبة لما عند السلطان ، وخضوعا لما افترضوه على الناس ، ولم يكن ثبوته مستقلا بروحانيته عن تأثر السلطة التنفيذية ، فإن دولة بني تاشفين قامت في الأندلس في القرن الخامس ، وتولى ثانيهم علي بن يوسف بن تاشفين فعظم أمر الفقهاء ، ولم يكن يقرب منه ويحظى عنده إلا من علم مذهب مالك ، فنفقت في زمنه كتب المذهب ، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها ، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب اللّه وحديث الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فلم يكن أحد يعتني بهما كما يعتني بكتب المذهب المالكي . وما ذلك إلا من اختراع السياسة لأمور كان الأصلح للأمة أن تتخلى السياسة عن التدخل بمثلها ، إذ من الصعب على الرعية أن تعرف صلاح أمرها ما دام مفروضا عليها أمرا معينا من قبل السلطان وهي تجهل ذلك ، وبهذه المؤثرات انتشر مذهب مالك