اسد حيدر

16

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وعلى الرغم من كثرة ما كتبت وما حصلت من مراجع حول هذه الشخصية العظيمة منذ عام 1943 - فإن الدوافع البيئية والوجدانية لمن يعيشون حولي كانت تردني إلى الوراء وتحملني على اليأس أكثر مما تحملني على الكتابة والانطلاق في الموضوع . وقد ضاعف من الزهد في إتمام ما بدأت ما قرأته من أبحاث مهلهلة هنا وهناك حول شخصية هذا الإمام ، فطويت صحافي وتركت الكتابة ، وتأبيت على التعليق والرد . ولكن يأبى اللّه سبحانه إلا أن يظل الحق حقا ، وأن تكون قوته فوق طاقات الزمان وحواجز المكان . وهكذا بعد عشرين عاما قضت إثر انقطاعي عن الكتابة حول هذه الشخصية الفذة ، تخللتها ألوان من التخبط المنهجي ، وصور من الكتابات التي لا تقوم على أساس علمي ، طالعتنا الأقدار التي تأبى إلا أن تضع الحق في نصابه بمن يميط اللثام عن وجه الحق سافرا ، ويحمل السحب على الانقشاع بعد الذي طال من تلبد . كان هذا الفتح الجديد في دراسة الإمام منذ عشرة أعوام حين خرج إلينا الباحث الأديب والعالم العراقي الحصيف الأستاذ أسد حيدر بالجزء الأول من كتابه « الإمام الصادق والمذاهب الأربعة » ، والذي تم نشره على ما يبدو من مقدمة الطبعة الأولى سنة 1375 ه - 1956 م . فكان هذا الكتاب الجامع إيذانا بإنهاء مرحلة التخبط حول سيرة الإمام الصادق ، كما كان نقطة الانطلاق التي عرفنا من ورائها الكثير عن تاريخ « المذهب الجعفري » ، وما بينه وبين المذاهب الفقهية الأربعة من صلات وروابط يجهلها الكثيرون من علماء هذه الأمة على الرغم مما حصلوه من ثقافات تاريخية وفقهية وفلسفية . وأول ما يسترعي التفاتنا من هذا السفر الضخم شموله وسعة آفاقه واستيعابه أكثر جوانب هذه الشخصية العظيمة ، ولعل ذلك راجع إلى سعة اطلاع المؤلف فلا يكاد يرى رأيا لصاحب رأي حول شخصية الإمام إلا وأتى به ، ولا قضية تتصل بالموضوع من قريب أو بعيد إلا وساقها وناقشها في أسلوب أدبي أقرب ما يكون إلى الموضوعية والنهج الفني وأبعد ما يكون عن التحيز المسف والتعصب الأعمى . وفي كتابات المؤلف واسترسالاته التحليلية حول هذا الموضوع - نلمس اتزان العالم الحصيف حين يهرع إلى كلمة الحق ويفر بنفسه عن كل ما يشوه هذه الكلمة . وإن من يقرأ صدر الجزء الأول من كتابه « الإمام الصادق والمذاهب الأربعة » يقف على