اسد حيدر

149

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

ثم أقبل عليّ فقال : يا أبا عبد اللّه ، واللّه لا تحفظ للّه حرمة بعد هذا ، واللّه ما وفت الأنصار ولا أبناء الأنصار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بما أعطوه من البيعة على العقبة « 1 » . وبعد أن عرفنا أهم الحوادث التي جرت في عهد الإمام الصادق عليه السّلام سواء أكانت في عهد جده زين العابدين عليه السّلام أم في عهد أبيه الإمام الباقر عليه السّلام أو في عهده بالذات فإنه يتضح لنا مدى تحمله للمتاعب ومواجهته للآلام التي ماجت بها تلك الفترات . كما تتضح لنا الظروف التي أحاطت به والمشاكل التي كان يواجهها وقد عايش تلك الأحداث التي عمّت العالم الإسلامي وتخطى معه تلك المراحل العصيبة يوم أصبح الحق لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه . وكانت الأهواء هي الحاكمة ، والأحقاد هي المسيطرة ، وقد رضخ المسلمون لحكم أناس ابتعدوا عن القرآن وتركوا العمل بسنة الرسول فأصبحت الأمة الإسلامية يثقل كاهلها أطماع أولئك الحكام ويرهقها جورهم . وفي عهد الإمام الصادق كانت البلاد الإسلامية مشحونة بالخلافات والمشاحنات وحدثت ثورات دموية وحروب طاحنة ، أدت إلى استغلال الوضع من قبل أناس لا يهمهم إراقة الدماء في سبيل تحقيق مآربهم الشخصية . وقد تولى الإمام الصادق عليه السّلام أعباء الإمامة ومسئولية أداء رسالة الإسلام وهداية الأمة بعد أبيه الإمام الباقر عليه السّلام وقد لمعت شخصيته . وظهرت قابلياته . فتوالت عليه الطلبات لقيادة تلك الثورات التي قامت بوجه الطغيان ، واتجهت إليه الأنظار للاحتجاج على ذلك الحكم الظالم ، وكانت الدعوة باسم أهل البيت عليهم السّلام ، لأنهم زعماء هذه الأمة وأملها المنشود . وكان الإمام الصادق عليه السّلام قد اختط لنفسه طريق الدعوة الصامتة والثورة الإصلاحية ، بعد أن عرف بثاقب بصره وخبرته - وهو ينظر إلى تلك الحوادث - أن هذه الثورات لا تؤدي إلى الغاية التي ينشدها ، ولا تحقق الهدف ، بل في ذلك مزيد

--> ( 1 ) مقاتل الطالبيين ص 219 - 220 . وتاريخ الطبري ج 9 ص 194 .