زين الدّين عبد الرّحيم بن الحسين العراقي

50

ألفية السيرة النبوية ( نظم الدّرر السنية في السّير الزكية )

ذكر تأييده صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزة القرآن وجعل اللّه له القرآنا * آية حق أعجزت برهانا أقام فيهم فوق عشر يطلب * إتيانهم بمثله فغلبوا « 1 » ثم بعشر سور ، بسورة « 2 » * فلم يطيقوها ولو قصيرة وهم لعمري الفصحاء اللّسن * فانقلبوا وهم حيارى لكن « 3 » وأسمعوا « 4 » التّوبيخ والتّقريعا * لدى الملا مفترقا مجموعا فلم يفه منهم فصيح بشفه * معارضا ، بل الإله صرفه « 5 »

--> ( 1 ) في هامش ( أ ) : ( بلغ عبد الوهاب ولد ابن أبي زرعة قراءة عليّ ، وشمس الدين محمد بن سليمان الشبراوي سماعا . كتبه مؤلفه ) . ( 2 ) كذا في ( أ ) و ( ج ) ، وهي على حذف العاطف ؛ أي : فطلب إتيانهم بسورة ، وفي ( د ) : ( فسورة ) . ( 3 ) اللّسن - بضم اللام الثانية وسكون السين ، جمع ألسن - : وهم الفصحاء . اللّكن - جمع ألكن - : وهو الذي عيّ وصعب عليه الإفصاح بالعربية لعجمة لسانه . ( 4 ) أسمعوا - بالبناء للمفعول - : أسمعهم اللّه فيما أنزل من محكم كتابه . ( 5 ) بشفة : أي : لم يفه بكلمة واحدة ، وقوله : ( بل الإله صرفه ) قال المناوي في « العجالة السنية » ( ص 76 ) : ( وهذا الختام من الناظم يؤذن بميله إلى القول بالصرفة ، وهو رأي مرجوح أطال المحققون في تقرير رده ) . والصرفة : هو القول بأن المشركين كان في وسعهم الإتيان بمثل القرآن ، ولكن اللّه صرفهم ، وهو قول النظّام من المعتزلة ، وقول البعض من أهل السنة ، خلافا لقول الجمهور . ويمكن أن يقال : إن معنى الصرفة في قول المصنف هو المعنى اللغوي لا الاصطلاحي ، أي : أن صرف اللّه سبحانه وتعالى لهم ظهور عجزهم عن معارضته في إيجازه وبلاغته وتراكيب ألفاظه ومعانيه مع كونه من جنس كلامهم ؛ لكونه فاق في جميع فنون الكلام قدرتهم على الإتيان بمثله أو معارضته ، فصار معجزة حيث عجزوا عن معارضته كلام اللّه بكلامهم ، فأصبح - المعنى : صرفهم ؛ أي : أعجزهم بكلامه وما فيه من فنون الكلام التي يعرفونها وينظمون على منوالها ، حيث بلغت تلك الفنون رتبة عجزت عقولها عن أن تنظم كلاما يباري كلام اللّه عز وجل ، وكلام المصنف رحمه اللّه يؤذن بذلك ، فقد بدأ هذا الفصل بقوله : وجعل اللّه له القرآنا * آية حق أعجزت برهانا وختمه بقوله : معجزة باقية على المدى * حتى إلى الوقت الذي قد وعدوا وإذا أقيم معنى الصرفة على المعنى الاصطلاحي . . انتفى كون القرآن الكريم معجزا في ذاته ، ولا سيما وأن القول بالصرفة على المعنى الاصطلاحي مردود من وجوه كثيرة ، وقد أحسن الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه « المنح المكية » ( ص 796 ) الردّ على القائلين بالصرفة فقال : ( لكن أفسدوه - أي : القول بالصرفة - بأن قوله تعالى : قُل لَئِن اجْتَمَعَت الْإِنْس والْجِن عَلى أَن يَأْتُوا بِمِثْل هذَا الْقُرْآن الآية دليل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة . . لم يبق فائدة لاجتماعهم ؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى ، وليس اجتماع الموتى مما يحتفل بذكره ، هذا مع أن الإجماع منعقد على أن إضافة الإعجاز إلى القرآن ، والقول بالصرفة يلزمه إضافته إلى اللّه تعالى لا إلى القرآن ، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال التحدي ، وفيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية ، ولا معجزة له باقية أظهر من القرآن ، ويلزم الصرفة أيضا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره ) . ومن أراد المزيد فعليه بما في مطولات كتب العقيدة ، وعليه ب « دلائل الإعجاز » للجرجاني ، و « الظاهرة القرآنية » لمالك بن نبي ، واللّه أعلم .