ابن الطلاع القرطبي

99

أقضية رسول الله ( ص )

وفي قوله : « على أن يعتملوها من أموالهم » دليل على أن لا يعين رب الأرض العامل ولا يجعل زريعة للبياض . وقال مالك : المساقاة جائزة في كل أصل له ثمرة مثل : النخيل ، والأعناب ، والتين ، والزيتون ، والرمان ، والفرسك ، والجوز ، واللوز ، والورد ، وشبه ذلك . وعلى ما اتفقا من الجزء . قال الشافعي : لا تجوز المساقاة إلا في النخيل ، والكرم خاصة على النصف لأن في ذلك الخرص . وللشافعي قول آخر : أنها تجوز المساقاة في كل أصل ثابت . وقال أبو حنيفة : لا تجوز المساقاة أصلا لأنها أجرة مجهولة . وخالف في ذلك فعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر في خيبر ، واحتج بأن أهل خيبر حين افتتحت كانوا كالعبيد ، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين الأجنبي ، والحجة أيضا على أبي حنيفة أنهم لم يكونوا عبيدا لأنهم أقروا على المساقاة حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر ، وصدرا من أيام عمر ، حتى أجلاهم . ولم يباعوا ، ولا عتقوا ، ولم يرو أحد من أهل الحديث أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أخذ من أهل خيبر جزية أم لا ، إلا أن نزول براءة كان بعد خيبر ، فيدل ذلك أنه أخذ منهم الجزية واللّه وأعلم . والحجة على الشافعي في منعه المساقاة إلا في النخل والكرم مساقاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أهل خيبر على نصف ما يخرج منها : من زرع أو ثمر . فمنع الشافعي المساقاة في الزرع لأن الأرض تكرى بما يخرج منها ، وفيه النص ، وأجازها في الكرم ولا نص فيه قياسا على النخل وجمهور العلماء على خلافه . في كتاب مسلم : ومن خيبر كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق : ثمانين من تمر وعشرين من شعير « 1 » . قال مالك : وكان بياض خيبر يسيرا بين أضعاف السواد . قال مالك في الواضحة : وهو يسير إلى اليوم . قال مالك في المدونة وغيرها : أحب إليّ أن يلغي البياض للعامل ، وهو أحله . فإن قال قائل : لم قال مالك إلغاء البياض للعامل أحل . وقد ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ من أهل خيبر النصف من الثمر ومن الزرع ؟ قيل له : إنما ذلك لنهي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن المخابرة وهي : اكتراء الأرض بالحنطة ، فخشي مالك أن يكون هذا النهي بعد قصة خيبر : وإنما يؤخذ من فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأحدث فالأحدث ، فإذا ألغي البياض للعامل ارتفع الإشكال وإن كان البياض بينهما فهو جائز على ما فعله بخيبر . قاله محمد بن دحون عن الأصيلي : حدثني بذلك أبو عمرو وابن القطان - رحمهم اللّه - جميعهم . وفي البخاري ومسلم : أن كعب بن مالك تقاضى من عبد اللّه بن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهو في بيته - فخرج إليهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال :

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1551 و 2 ) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .