محمد بن عبد الله ابن الجزري

10

مناقب الأسد الغالب ممزق الكتائب ومظهر العجائب ليث بن غالب أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ( يليه خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للنسائي )

صعد علي ذات يوم المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وذكر الموت - فذكر نحوه وزاد بعد قوله : أنا بيت الوحشة ، ألا وإن وراء ذلك يوما يشيب فيه الصغير ، ويسكر فيه الكبير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللّه شديد . وزاد في روايته : ثم بكى وبكى المسلمون حوله . أخرج الدينوري وابن عساكر عن عبد اللّه بن صالح العجلي عن أبيه ، قال : خطب علي بن أبي طالب يوما ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : عباد اللّه لا تغرنّكم الحياة الدنيا ؛ فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال ، وهي ما بين أهلها دول سجال ، لن يسلم من شرها نزالها ، بينما أهلها في رخاء وسرور ؛ إذا هم منها في بلاء وغرور ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ؛ ترميهم بسهامها وتقصمهم بحمامها « 1 » . عباد اللّه إنكم وما أنتم من هذه الدنيا ، عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية « 2 » ، واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق « 3 » الممهدة الصخور ، والأحجار المسندة في القبور الملاطية « 4 » الملحدة التي قد بني على الخراب فناؤها ، وشيد بالتراب بناؤها ، فحملها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ، وقد طحنهم بكلكله « 5 » البلى ، وأكلتهم الجنادل « 6 » والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة « 7 » العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ،

--> ( 1 ) أي موتها . ( 2 ) من العفاء وهو المحو والإزالة . ( 3 ) الوسائد . ( 4 ) المبنية بالطين . ( 5 ) الكلكل : هو الصدر والمراد هنا الشدة . ( 6 ) الصخور العظيمة . ( 7 ) طيبه ولذته .