العلامة المجلسي
196
بحار الأنوار
إلى ذلك سبيل فلا تشغل نفسك ، فإني لا أدعك تغير شيئا ، قال : فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه ومنديله ، وكان قد جاوز عليه السلام السبعين . فلما مضى بعض الطريق ، ضعف الشيخ فرحمته فقلت له : اركب ، فركب بغل شاكري ( 1 ) كان معنا ، ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول له : ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل ، وجعل يستحثه استحثاثا شديدا ، فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد وهو بتلك الحال بكى . وكان الربيع يتشيع فقال له جعفر عليه السلام يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا ، فدعني أصلي ركعتين وأدعو قال : شأنك وما تشاء ، فصلى ركعتين خففهما ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه ، إلا أنه دعاء طويل ، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع ، فلما فرغ من دعائه على طوله ، أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور . فلما صار في صحن الإيوان ، وقف ثم حرك شفتيه بشئ ، لم أدر ما هو ، ثم أدخلته فوقف بين يديه ، فلما نظر إليه قال : وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك ، وافسادك على أهل هذا البيت من بني العباس ، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد ، ما تبلغ به ما تقدره . فقال له : والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا ولقد كنت في ولاية بني أمية ، وأنت تعلم أنهم أعدى الخلق لنا ولكم ، وأنهم لا حق لهم في هذا الامر فوالله ما بغيت عليهم ، ولا بلغهم عني سوء ، مع جفاهم الذي كان بي ، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا ؟ وأنت ابن عمي وأمس الخلق بي رحما ، وأكثرهم عطاء وبرا ، فكيف أفعل هذا ؟ ! فأطرق المنصور ساعة ، وكان على لبد ( 2 ) وعن يساره مرفقة جرمقانية ، وتحت لبده سيف ذو فقار ، كان لا يفارقه إذا قعد في القبة قال : أبطلت وأثمت ، ثم رفع ثني الوسادة فأخرج منها إضبارة كتب ، فرمى بها إليه وقال : هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي ، وأن يبايعوك دوني
--> ( 1 ) الشاكري : الأجير والمستخدم جمع شاكرية ، والكلمة من الدخيل . ( 2 ) اللبد : الصوف المتلبد .