العلامة المجلسي

97

بحار الأنوار

الجواب قلنا : قد علمنا أن الامام متى غلب على ظنه أنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل ، وجب عليه ذلك ، وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها ، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالبا الكوفة إلا بعد توثق من القوم ، وعهود وعقود ، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين ، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها تقدمت إليه في أيام معاوية ، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن عليه السلام فدفعهم ، وقال في الجواب ما وجب ، ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن عليه السلام ومعاوية باق فوعدهم ومناهم وكانت أيام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة ، وبذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة ورأي عليه السلام من قوتهم على ما كان يليهم في الحال من قبل يزيد ، وتسلطهم عليه وضعفه عنهم ما قوي في ظنه أن المسير هو الواجب ، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب ، ولم يكن في حسبانه عليه السلام أن القوم يغدر بعضهم ، ويضعف أهل الحق عن نصرته ، ويتفق ما اتفق من الأمور الغريبة ، فان مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها ولما وردها عبيد الله بن زياد - وقد سمع بخبر مسلم ، ودخوله الكوفة وحصوله في دار هانئ بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة - وحصل شريك بن الأعور بها ، جاء ابن زياد عائدا ، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك ، وأمكنه ذلك ، وتيسر له ، فما فعل واعتذر بعد فوت الامر إلى شريك بأن ذلك فتك وأن النبي صلى الله عليه وآله قال : " إن الايمان قيد الفتك " ( 1 ) ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكن منه ، ووافقه شريك عليه لبطل الامر ، ودخل الحسين عليه السلام الكوفة غير مدافع عنها ، وحسر كل أحد قناعه في نصرته ، واجتمع له من كان في قلبه نصرته ، وظاهره مع أعدائه وقد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانئا سار إليه في جماعة من

--> ( 1 ) مر ذكر الحديث في ج 44 ص 344 فراجع .