العلامة المجلسي

99

بحار الأنوار

والنصوص المتواترة ، لا مجال للاعتراض عليهم ، بل يجب التسليم لهم في كل ما يصدر عنهم . على أنك لو تأملت حق التأمل ، علمت أنه عليه السلام فدى نفسه المقدسة دين جده ، ولم يتزلزل أركان دول بني أمية إلا بعد شهادته ، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلا عند فوزه بسعادته ، ولو كان عليه السلام يسالمهم ويوادعهم كان يقوى سلطانهم ، ويشتبه على الناس أمرهم ، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة ، وآثار الهداية مندرسة ، مع أنه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنه عليه السلام هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكة ، وكذا خرج من مكة بعد ما غلب على ظنه أنهم يريدون غيلته وقتله ، حتى لم يتيسر له - فداه نفسي وأبي وأمي وولدي - أن يتم حجة ، فتحلل وخرج منها خائفا يترقب ، وقد كانوا لعنهم الله ضيقوا عليه جميع الأقطار ، ولم يتركوا له موضعا للفرار . ولقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة ( 1 ) أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلهم ، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سرا وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة ، ثم إنه دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية ، وأمرهم بقتل الحسين عليه السلام على أي حال اتفق ، فلما علم الحسين عليه السلام بذلك ، حل من إحرام الحج ، وجعلها عمرة مفردة . وقد روي بأسانيد أنه لما منعه عليه السلام محمد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال : والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض ، لاستخرجوني منه حتى يقتلوني . بل الظاهر أنه صلوات الله عليه لو كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدة عداوتهم ، وكثرة وقاحتهم ، بل كانوا يغتالونه بكل حيلة ، ويدفعونه بكل وسيلة وإنما كانوا يعرضون البيعة عليه أولا لعلمهم بأنه لا يوافقهم في ذلك ، ألا ترى

--> ( 1 ) كما في المنتخب ص 304 .