عبد السلام احمد الراغب

57

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

شعوريا وعقليا وسلوكيا . ويتضح من هذا العرض ، أن الحكم على الصورة القرآنية من خلال الصورة البلاغية فقط يعد ناقصا أو قاصرا ، لأن هذه الصورة الجزئية مرتبطة بالبناء التصويري العام في الأسلوب القرآني ، تستمد منه حيويتها ، وقوتها ، فالعلاقة بينها وبين الصور الأخرى علاقة تفاعل ، وتبادل للتأثر والتأثير . ولكن ظروف البحث ، تقتضي بأن أفصل بين نوعي الصور القرآنية ، لتسهيل الدراسة ، والوقوف على طبيعة كلّ منهما على حدة ، وأبدأ بالصورة المفردة أو البلاغية . أ - الصورة المفردة : وهي الصورة البلاغية القديمة . وقد قام البلاغيون بجهد كبير في دراستها ، ووضع القواعد لها ، وقد توقفت دراساتهم البلاغية ، عند جزئية صغيرة فيها ، تدور حول محورين هما : المشبّه والمشبّه به ، فاهتدوا إلى بعض العلاقات اللغوية التي يمكن أن تقوم بين هذين المحورين الأساسيين ، وتوصّلوا إلى مجموعة من الأسماء التي حاولوا أن يحصروا « الصورة » فيها ، فكان هناك التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز بنوعيه المرسل والعقلي وبعض فنون البديع المعنوي . ومعظم الدراسات البلاغية القديمة ، تدرس الصورة المفردة . مجردة عن سياقها ، فتبين خصائصها ووظائفها معزولة عن الصورة العامة للنص ، وهذه الدراسات مفيدة لفهم طبيعة الصورة الجزئية ، ولكن الاقتصار عليها ، وحصر الجهود فيها ، وجعلها معيارا للجمال ، يضرّ بالفهم الكلي للنص القرآني ، ويضعف من إدراك فكرته التي جاءت الصورة تعبّر عنها في لحمة متماسكة ونسيج فني موحّد . إن إهمال دراسة السياق أو العلاقات القائمة بين الصور يضعف من قيمة الصورة ، وقد لاحظ ذلك عبد القاهر الجرجاني حين حاول ربط الصورة بالنسق في نظرية النظم ، وهو ما يقوم به النقد الحديث من دراسة الصورة من خلال مفهوم النسق ضمن العلاقات المتعددة التي يقوم عليها النص . وليس معنى هذا أني أقلّل من جهود البلاغيين ، أو أدعو إلى نبذها ودفنها ، وإنما أريد أن