عبد السلام احمد الراغب

52

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

المعايير الجمالية ، ويظهر ذلك في تركيب حروفها ومفرداتها وعباراتها ، فهي لغة التصوير الفني أو « لغة المجاز » « 23 » على رأي العقاد والمجاز هو أداة التصوير الفني . فالألفاظ ليست جامدة بل هي ألفاظ حية ، لها ظلالها ، وإيحاءاتها ، وقد هيّأ التعبير القرآني للألفاظ نظاما ونسقا وجوا ملائما على أحسن ما يكون ، فسمح للألفاظ بأن تشعّ وتوحي بالظلال والصور ، وتتناسق مع الجو النفسي أو الشعوري العام الذي يرسمه ، يقول الله تعالى : « يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا » الطور : 13 . فالدعّ هو الدفع بالظهور ، والمدفوع في النار يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة ، لذلك فإن الصورة اختارت في تشكيلها اللغوي هذا الحرف بالذات ، لتكون الصورة المرعبة توحي بهيئة مخصوصة وهي الدفع في الظهور رغم إرادتهم ، كما تجسّم حالتهم النفسية وما هم عليه من خوف وفزع . فاللغة العربية لغة تصويرية ، يظهر ذلك في الاستعمالات المجازية ، والاستعمالات الحقيقية ، فحين نقول : « تمايل الرجل » فإن هذا التعبير الحقيقي ، يرسم صورة لرجل يترنّح يمينا وشمالا ، وهذه الصورة مركبة من عبارة حقيقية ، لا مجازية . فالصورة بمفهومها الجديد تساعد على استثمار اللغة ، واستخراج خصائصها بوصفها مادة بنائية ، تهدف من تركيب الكلمات والعبارات إلى بعث الصور الموحية عن طريق التعبير المجازي أو الحقيقي ، بحيث تعود للكلمات قوة معانيها التصويرية « 24 » وقد لاحظ العقاد أن كثيرا من الألفاظ العربية ما زالت تحتفظ بمعناها الحقيقي مع شيوع معناها المجازي ، وهذا الاقتران بين المعاني المجردة للألفاظ والمعاني المحسوسة كثير في اللغة العربية كما يقول العقاد « 25 » . فمثلا كلمة « زكاة » تعني الزيادة والنمو ، كما تعني الحسن واللياقة « 26 » ، وقد تناول القرآن هذه المادة اللغوية ، واستثمرها في الدلالة على معنى جديد ، فأصبح المعنيان يتجاوران في ذهن المتلقي ، يثيران فيه صور النماء الحسية والمعنوية معا ، وهي صور غنية ومتنوّعة .

--> ( 23 ) اللغة الشاعرة : ص 26 . ( 24 ) لغة الشعر العربي الحديث : ص 70 . ( 25 ) اللغة الشاعرة : ص 26 - 31 . ( 26 ) المعجم الوسيط : مادة زكو .