عبد السلام احمد الراغب
39
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
على صدور كتابه نصف قرن تقريبا ، وفي هذه الفترة ، لم يصدر كتاب آخر حول الصورة القرآنية « 86 » . ويلاحظ أن النقاد المعاصرين ، تجاهلوا الصورة القرآنية في تنظيرهم للصورة ، ولم يأخذوا بعين الاعتبار ظواهر التصوير الفني في القرآن الكريم ، وما فيه من إيقاع موسيقي ، وتشخيص ، وتجسيم ، لتقريب الحقائق الدينية . إنّ الصورة القرآنية صورة متميزة مؤثرة ، وقد كشف القدماء جزءا بسيطا من جمالها دون أن يحيطوا بها . وكان من المفروض أن يتوقف المعاصرون عندها ، حتى تكتمل دراساتهم حول الصورة الفنية في نقدنا المعاصر ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، فجاءت دراساتهم للصورة قاصرة على الشعر وغير مكتملة . إن القرآن الكريم قد استنفد الطاقات التصويرية للغة العربية في التعبير عن أغراضه الدينية ، فجاءت صوره حية متحركة شاخصة ، كما جاءت متنوّعة مشحونة بالمشاعر والانفعالات . وقد استطاع سيد قطب في كتابه ( التصوير ) أن يسبق النقاد المعاصرين إلى دراسة الصورة الفنية عموما ، ودراسة الصورة القرآنية خصوصا . إذا عرفنا أنه أصدر كتابه عام 1945 م ، وكان قبل ذلك يكتب مقالاته في مجلة المقتطف عن التصوير الفني في القرآن قبل إصدار كتابه بست سنوات « 87 » . والصورة عنده - كما يلاحظ في تحليله للآيات القرآنية - هي كل تقديم حسي للمعنى ، سواء أكان هذا التقديم الحسي يعتمد الأنواع البلاغية القديمة أم يتجاوزها إلى غيرها من العبارات الحقيقية التي تثير مخيلة المتلقي وإن لم تكن قائمة على المجاز . بهذا المفهوم ، وجد سيد قطب أن أسلوب القرآن كلّه تصويري ما عدا آيات التشريع ، وهذا الأسلوب التصويري هو سرّ إعجازه ، فقد كان هذا الأسلوب المصوّر ، مؤثرا في المؤمنين والكافرين على السواء « 88 » .
--> ( 86 ) أصدر الدكتور عبد القادر حسين كتابه « القرآن والصورة البيانية » في هذه الفترة ، ولكنه قصر الصورة على الأبحاث البلاغية القديمة . دون أن يستفيد من الدراسات الحديثة للصورة ، فهو يكرّر أقوال البلاغيين القدماء حول الصورة البلاغية بأنواعها المعروفة . ( 87 ) نظرية التصوير الفني عند سيد قطب : ص 123 - 125 . ( 88 ) التصوير الفني في القرآن : سيد قطب . ص 17 .